كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

وصاحبَ العلم صاحبُ غيبةٍ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. ونحن نشير إليكم إشارةً حاليَّةً علميَّةً، تنزُّلًا من الحال إلى العلم، فنقول: الحال تأثُّرٌ عن نور ٍمن أنوار الأحديَّة والفردانيَّة، تستر العبد عن نفسه، وتبدي ظهور مشهوده. ولا ريب أنَّه في هذه الحال قد يعتقد أنَّ الشاهد هو المشهود ... ».
هذا القيل أيضا للتلمساني، وما نقله بعد «فنقول» هو نصُّ كلامه بشيء من التصرف، وقد جاء ذلك تفسيرًا لقول الهروي: (وأصدق أحواله زور، وأصفى قصوده قعود).
ومما قاله التلمساني في تفسير الجملة الثانية: «يعني أن القاصد إلى الحقيقة متى شهد مقصوده قعد عن قصده، وذلك لأن الحق تعالى لا يُقصد ولا يُبتغى لأنه أقرب إلى اللسان من نطقه إذا نطق، وإلى القلب إذا قصد». ثم ذكر أن هذا المعنى عزيز، والإشارة إليه أولى من العبارة.
ورد َّعليه ابن القيم بأن «مَن أحالك على الحال فما أنصفك! فإنه أحالك على أمر مشترك بين الحق والباطل ... وسير أولياء الله وعباده الأبرار والمقربين بخلاف هذا، وهو إحالة الحال على العلم وتحكيمه عليه وتقديمه ... فمن لم يكن هذا أصل بناء سلوكه فسلوكه فاسد، وغايته الانسلاخ من العلم والدين كما جرى ذلك لمن جرى له».
ثم تكلم على ما استدل به التلمساني في شرح كلام الهروي (وأصفى قصوده قعود) من قرب الله سبحانه من عباده، فبيَّن معنى قربه من عباده مع كونه فوق سماواته على عرشه بائنًا من خلقه، وفسّر قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: ١٦].
والإنابة والإخبات والخشية والتّذلُّل والخضوع إلّا له.
وهاهنا افترق النّاس، وصاروا فريقين: فريقًا مشركين في السّعير، وفريقًا موحِّدين في الجنّة. فافترقوا بصفة إلهيته (¬١)، فهي التي فرَّقتهم، كما أنّ الرُّبوبيّة هي التي جمعتهم.
فالدِّين والشّرع والأمر والنّهي: مظهره وقيامه من صفة الإلهيّة. والخلق والإيجاد والتّدبير والفعل من صفة الرُّبوبيّة. والجزاء بالثّواب والعقاب والجنّة والنّار من صفة المُلك. فهو ملك يوم الدِّين، فأمَرهم بإلهيَّته، وأعانهم ووفّقهم وهداهم وأضلّهم بربوبيّته، وأثابهم وعاقبهم بمُلكه وعدله. وكلُّ واحد من هذه الأمور لا ينفكُّ عن الآخَرَين.
وأمّا الرّحمة، فهي التّعلُّق والسَّبب الذي بين الله وبين عباده. فالتّألُّه منهم له، والرُّبوبيّة منه لهم، والرّحمة سببٌ واصلٌ بينه وبين عباده، بها أرسل إليهم رسلَه، وأنزل عليهم كتبَه، وبها هداهم، وبها أسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم. فبينهم وبينه سببُ العبوديّة، وبينه وبينهم (¬٢) سببُ الرّحمة.
واقترانُ ربوبيّته برحمته كاقتران استوائه على عرشه برحمته. فـ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥] مطابقٌ لقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: ٢ - ٣]، فإنّ شمول الرُّبوبيّة وسعتها بحيث لا يخرج شيءٌ
---------------
(¬١) رسمها في الأصل: "الهيه". وهو أقرب إلى ما أثبته من ج. وفي م، ش، ع: "الإلهية".
(¬٢) ما عدا الأصل، ع: "وبينهم وبينه"، وكذا كان في الأصل ولكن وضعت على الكلمتين علامة التقديم والتأخير عند القراءة على المؤلف.

الصفحة 53