كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
وختم كلامه بقوله: «والمقصود: أنَّ هذا موضعٌ ضلَّت فيه أفهام، وزلَّت فيه أقدام، واشتبه فيه معيَّة العلم والقدرة والإحاطة بالقرب، واشتبه فيه آثار قرب المحبَّة والرِّضا والموافقة وغلبة ذكره ومراقبته بقرب ذاته، واشتبه فيه ما في الذِّهن بما في الخارج، واشتبه فيه اضمحلال شهود الرسم وانمحاؤه من القلب بعدمه وفنائه، واشتبه فيه آثار الصِّفات بحقيقتها، وأنوار المعرفة بأنوار الذات. وأصحابه لتحكيمهم الحال والذوق لا يلتفتون إلى لسان العلم، ولا يصغون إليه. وفي هذا كفاية».
الجدير بالذكر أن ابن القيم في ردِّه الطويل على كلام التلمساني (دون إشارة إليه) لم يذكر شيخ الإسلام الهروي، ولا اعتذر عنه، وكأنه بعد ما ذكر أن هذا التفسير هو مقصود الهروي- وهو تفسير التلمساني كما رأينا- أقبل بكليته على نقض كلام التلمساني. ونظن أن ابن القيم لو وقف على شرح الاسكندري لحمل كلام الهروي على تفسيره أو نحوه، ثم رد على تفسير التلمساني منوهًا بموقف الهروي من إثبات الصفات وأنه كان في ذلك سلفيًّا قحًّا، واستبعد أن يؤول الهروي صفة القرب، ورجَّح أن إجمال كلامه فتح الباب للملحد وحاشا أن يقصد الهروي ما قاله التلمساني.
وبالجملة، لا مقارنة بين شرح ابن القيم لكتاب المنازل وبين الشروح الأخرى لاختلاف كبير في الغرض والمنهج والمصادر وطريقة التناول كما رأينا.
* * *
عنها اقتضى (¬١) شمول الرّحمة وسعتها، فوسع كلَّ شيءٍ بربوبيته ورحمته، مع أنّ في كونه ربًّا للعالمين ما يدلُّ على علوِّه على خلقه وكونه فوق كلِّ شيءٍ، كما يأتي بيانه عن قربٍ (¬٢) إن شاء الله تعالى.
فصل
وفي (¬٣) ذكر هذه (¬٤) الأسماء بعد الحمد، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها= ما يدلُّ على أنّه محمودٌ في إلهيّته، محمودٌ في ربوبيّته، محمودٌ في رحمانيّته، محمودٌ في ملكه؛ وأنّه إلهٌ محمودٌ، ربٌّ (¬٥) محمودٌ، ورحمنُ محمودٌ، وملِكٌ محمودٌ. فله بذلك جميع أقسام الكمال: كمالٌ من هذا الاسم بمفرده، وكمالٌ من الآخر بمفرده، وكمالٌ من اقتران أحدهما بالآخر.
مثال ذلك: قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: ٦]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: ٢٦]، {وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: ٧]. فالغنى صفة كمالٍ، والحمدُ صفة كمالٍ، واقترانُ غناه بحمده كمالٌ أيضًا. وعلمُه كمالٌ، وحكمتُه كمالٌ، واقترانُ العلم بالحكمة كمالٌ أيضًا. وقدرتُه كمالٌ، واقترانُ القدرة بالمغفرة كمالٌ.
---------------
(¬١) م، ش: "اختص"، ولعل مثله كان في الأصل ثم أصلح.
(¬٢) لم يرد "عن قرب" في ع.
(¬٣) ع: "في" دون الواو قبلها.
(¬٤) م: "وقد ذكر في هذه"، وفي هامشها أشير إلى أن في نسخة كما أثبت.
(¬٥) كذا "ربٌّ" دون الواو قبله في الأصل وغيره.