كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
تعقبات ابن القيم على الهروي
كان ابن القيم - رحمه الله - معظِّماً لشيخ الإسلام الهروي، محبًّا له، مقدِّرًا لمواقفه في نصر السنة وإثبات الصفات ومخالفة أهل البدع، معترفًا بعلو منزلته في السير إلى الله. بل عدَّ نفسه مريدا «نفعَه الله بكلامه، وجلس بين يديه مجلس التِّلميذ من أستاذه، وهو أحدُ مَن كان على يديه فتحُه يقظةً ومنامًا» (٢/ ٢٨٣).
فلا غرو أن يكون شيخ الإسلام الهروي حبيبًا إلى ابن القيم، ولكن الحقَّ أحبُّ إليه من شيخ الإسلام (٢/ ٢٦٢). وكما أن زلات الشيخ لا توجب عنده إهدار محاسنه وإساءة الظن به، فكذلك محلُّه من العلم والإمامة والمعرفة والتفقه في السلوك لا يقتضي صرف النظر عن هفواته وسقطاته، إذ كلُّ أحد مأخوذٌ من قوله ومتروكٌ إلا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه (١/ ٣٠٩). وقد نصَّ في موضع على أن القول لا يُردُّ بمجرد كون المعتزلة قالوه، بل يُقبل الحق ممن قاله ويُردّ الباطل على من قاله (١/ ٤٣١). هذا المنهج السليم في الأخذ والترك والقبول والرد هو الذي سار عليه - رحمه الله - في جميع مصنفاته.
وقد أكد التزامه هذا المنهجَ في مواضع عديدة من هذا الكتاب، منها قوله في باب التوكل: «ولولا أنَّ الحقَّ لله ورسوله، وأنَّ كلَّ من عدا الله ورسوله فمأخوذٌ من قوله ومتروك، وهو عرضة الوهم والخطأ= لما اعترضنا على من لا نلحق غبارهم، ولا نجري معهم في مضمارهم، ونراهم فوقنا في مقامات الإيمان ومنازل السائرين كالنُّجوم الدَّراريِّ».
وكذلك العفوُ بعد القدرة {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} (¬١) [النساء: ١٤٩]، واقترانُ العلم بالحلم {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [النساء: ١٢]. وحَمَلةُ العرش أربعةٌ: اثنان يقولان سبحانك اللهمّ وبحمدك، لك الحمدُ على حلمك بعد علمك. واثنان يقولان: سبحانك اللهمّ وبحمدك، لك الحمدُ على عفوك بعد قدرتك (¬٢). فما كلُّ من قدَر عفا، ولا كلُّ من عفا يعفو عن قدرةٍ؛ ولا كلُّ من علِمَ يكون حليمًا، ولا كلُّ حليمٍ عالمٌ. فما قُرِن شيءٌ إلى شيءٍ أزينَ من حلمٍ إلى علمٍ، ومن عفوٍ إلى قدرةٍ، ومن مُلكٍ إلى حمدٍ، ومن عزَّةٍ إلى رحمةٍ {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: ٩].
ومن هاهنا كان قول المسيح عليه السّلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: ١١٨] أحسنَ من أن يقول: وإن تغفر لهم فإنّك أنت الغفور الرّحيم. أي إن غفرتَ لهم كان مصدرُ مغفرتك عن عزّةٍ وهي كمالُ القدرة، وعن حكمةٍ وهي كمالُ العلم. فمَن غفَر عن عجزٍ وجهلٍ بجرم الجاني، فأنت لا تغفر إلّا عن قدرةٍ تامّةٍ، وعلمٍ تامٍّ، وحكمةٍ تضع بها الأشياء مواضعها. فهذا أحسن من ذكر الغفور الرّحيم في هذا
---------------
(¬١) في الأصل وغيره: "وكان الله عفوًّا قديرًا"، وهو سهو وقع في منزلة الأدب (٣/ ١٤٧) أيضًا.
(¬٢) نقله المؤلف في منزلة الأدب (٣/ ١٤٧) أيضًا وقال: "وفي بعض الآثار: حملة العرش أربعة ... "، وهكذا نقله في "بدائع الفوائد" (١/ ١٤٠)، و"عدة الصابرين" (ص ٥٣٣)، و"الروح" (ص ٦٧٩). والوارد في الأثر المذكور: "حملة العرش ثمانية: أربعة ... وأربعة ... ". وقد أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٣٤٢)، وابن أبي شيبة في "كتاب العرش" (٢٤) عن شهر بن حوشب؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٧٤) عن حسان بن عطية. وقال الذهبي في "العلو" (١٤٩): "إسناده قوي".