كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
الجدير بالذكر هنا أن هذا المعنى بعينه عزاه ابن القيم في «شفاء العليل» (ص ١٤) إلى «شيخ الملحدين ابن سينا في إشاراته» بلفظ: «العارف لا يستحسن حسنةً ولا يستقبح قبيحةً لاستبصاره بسرِّ القدر».
علَّق عليه ابن القيم أولا بقوله: «هذا الكلام إن أُخِذَ على ظاهره فهو من أبطل الباطل، الذي لولا إحسانُ الظّنِّ بقائله ومعرفةُ قدره من الإمامة والعلم والدِّين لَنُسِبَ إلى لازم هذا الكلام. ولكن مَن عدا المعصوم فمأخوذٌ من قوله ومتروكٌ. ومن ذا الذي لم تزِلَّ به القدمُ، ولم يَكْبُ به الجوادُ!».
ثم فسّر كلام الشيخ تفسيرًا ختَمَه بقوله: «فهذا أحسن ما يحمل عليه كلامه». ثم ذكر أن له محملًا آخر مبنيًّا على أن إرادة الرب تعالى هي عين محبته ورضاه، وهذا أصل القدرية الجبرية المنكرين للحكم والتعليل والأسباب وتحسين العقل وتقبيحه (١/ ٣٥٦ - ٣٥٧). وبعد ما فسر كلام الشيخ على هذا الأصل، ذكر له محملًا ثالثًا مع تصريحه بأن الشيخ أبعدُ الناسِ منه، ولكن قد حُمِل عليه، وهو القول بوحدة الوجود التي تنفي الطاعة والمعصية، لكون المطيع في هذه المنزلة عينَ المطاع. وبعد ما فسّر كلامه بناء على ذلك قال: «وهذا عند القوم من الأسرار التي لا يستجيزون كشفَها إلّا لخواصِّهم، وأهلِ الوصول منهم. لكنّ صاحب المنازل بريءٌ من هؤلاء وطريقتهم، وهو مكفِّرٌ لهم، بل مخرجٌ لهم عن جملة الأديان. ولكن ذكرنا ذلك لأنّهم يحملون كلامَه عليه، ويظنُّونه منهم» (١/ ٣٥٧ - ٣٩٥).
ثم ذكر ابن القيم أن هذا مقام عظيم زلَّت فيه أقدام طائفتين من الناس: طائفة من أهل الكلام والنظر، وطائفة من أهل السلوك والإرادة. أما الطائفة الأولى فنفوا التحسين والتقبيح العقليين، وذهبوا إلى أن حسن الفعل أو قبحه
وقال تعالى: {(١٤٢) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: ١٤٣]. وهذا التّكليم غير التّكليم الأوّل الذي أرسله به إلى فرعون، وفي هذا التّكليم الثّاني سأل النّظر لا في الأوّل، وفيه أعطي الألواح، وكان عن مواعدةٍ من الله له. والتّكليم الأوّل لم يكن عن مواعدةٍ، وفيه قال الله له: {يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف: ١٤٤] أي بتكليمي لك، بإجماع السّلف. وقد أخبر سبحانه في كتابه أنّه ناداه وناجاه (¬١)، فالنِّداء من بُعْدٍ، والنِّجاء من قُرْبٍ. تقول العرب: إذا كبرت الحلقةُ فهي نِداءٌ أو نِجاءٌ (¬٢).
وقال له أبوه آدم عليه السلام في محاجَّته (¬٣): "أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وخطَّ لك التّوراةَ بيده؟ " (¬٤). وكذلك يقول له أهل الموقف إذا طلبوا منه الشّفاعة إلى ربِّه عزَّ وجلَّ (¬٥). وكذلك في حديث الإسراء في رؤية
---------------
(¬١) يعني قوله تعالى في سورة مريم: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)}. وانظر: "بدائع الفوائد" (ص ٥١٤).
(¬٢) "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٤٦٨). وهذا القول من كلام الشعبي أخرجه عنه ابن سعد في "الطبقات" (٦/ ٢٥٤). وكذا ورد فيها وفي "المعرفة والتاريخ" للفسوي (٢/ ٥٩٤)، و"تاريخ أبي زرعة" (١/ ٦٦٢)، و"الجامع" للخطيب (٢/ ٧٩): "نداء" بالنون والدال من غير تفسير أو نصٍّ على الرواية. وفي "شرح السنَّة" (١٣/ ٧٩): "بذاء" بالباء والذال، وفسَّره بالمفاحشة، كما في "تهذيب اللغة" (١٥/ ٢٥)، و"الفائق" للزمخشري (١/ ٩٠)، و"النهاية" (٥/ ٢٦)، و"التكملة" للصغاني (١/ ٧).
(¬٣) "في محاجته" ساقط من ش.
(¬٤) أخرجه البخاري (٣٤٠٩) ومسلم (٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(¬٥) حديث الشفاعة أخرجه البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.