كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

ليس لصفة قائمة بالفعل، وإنما لكونه مأمورًا به أو منهيًّا عنه في الشرع. وأما الطائفة الثانية، فكان غلطهم في هذا الباب في ظنهم أن شهود الحقيقة الكونية والفناء في توحيد الربوبية من مقامات العارفين، بل أجلُّ مقاماتهم.
وبعد ما ردّ ابن القيم على مذهب الطائفة الأولى في الصفحات (١/ ٣٥٩ - ٣٧٩)، اتجه إلى الرد على الأخرى، وختمه بتنبيه القارئ على أهمية هذا الفصل قائلا: «فتدبَّر هذا الفصلَ، وأحِطْ به علمًا، فإنّه من قواعد السُّلوك والمعرفة. وكم قد زلَّت فيه من أقدامٍ، وضلَّت فيه من أفهامٍ! ومَن عرَفَ ما عند النَّاس، أو نهضَ من مدينة طبعه إلى السَّير إلى الله، عرَفَ مقداره. فمَن عرَفه عرَفَ مجامعَ الطُّرق ومَفْرَقَ الطُّرق التي تفرَّقت بالسَّالكين وأهل العلم والنَّظر» (١/ ٣٩٠).
ولكن لم يكتف ابن القيم بهذا الرد، بل عُني ببيان الفرق بين محبة الله ورضاه وبين مشيئته وإرادته، لأنه رأى أن منشأ الضلال في هذا الباب من التسوية بينهما أوالاعتقاد بوجوب الرضا بالقضاء، فذكر مذاهب المتكلمين في المسألة (١/ ٣٩١ - ٣٩٣)، ثم عقد فصلا ساق فيه الدلائل من القرآن والسنة وغيرهما على الفرق بين المشيئة والمحبة (١/ ٣٩٣ - ٣٩٨)، وأتبعه فصلا آخر في مسألة الرضا بالقضاء (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩).
وقد بدأ هذا التعقب لكلام صاحب المنازل كما رأينا عند شرح قوله في ذكر اللطيفة الثالثة من لطائف أسرار التوبة (١/ ٣٥٥)، وطال حتى انتهى بعد ٤٥ صفحة. وقد شعر ابن القيم بإطالته، فنبه القارئ مرة أخرى بقوله: «ولا تنكر الإطالة في هذا الموضع، فإنّه مزلَّةُ أقدام الخلق، وما نجا من معاطبه إلّا أهلُ البصائر والمعرفة بالله وصفاته وأمره».
موسى في السّماء السّادسة أو السّابعة على اختلاف الرِّواية، قال: "وذلك بتفضيله بكلام الله" (¬١). ولو كان التّكليم الذي حصل له من جنس ما حصل لغيره من الأنبياء عليهم السلام لم يكن لهذا التّخصيص به في هذه الأحاديث معنًى، ولا كان يسمّى "كليم الرّحمن".
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: ٥١]، فرَّق (¬٢) بين تكليم الوحي، والتكليم بإرسال الرّسول، وتكليمه من وراء حجابٍ.
فصل
المرتبة الثانية: مرتبة الوحي المختص بالأنبياء عليهم السلام
قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: ١٦٣]. وقال: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} الآية [الشورى: ٥١]. فجعل الوحي في هذه الآية قسمًا من أقسام التّكليم، وجعله في آية النِّساء قسيمًا للتّكليم. وذلك باعتبارين، فإنّه قسيم للتَّكليم (¬٣) الخاصِّ الذي بلا واسطةٍ، وقسمٌ من التّكليم العامِّ الذي هو إيصال المعنى بطرقٍ متعدِّدةٍ.
والوحي في اللُّغة هو الإعلام السَّريع الخفيُّ. ويقال في فعله: وحى،
---------------
(¬١) أخرجه البخاري (٧٥١٧) من حديث أنس - رضي الله عنه -، وانظر: "الفتح" (١٣/ ٤٨٢).
(¬٢) ع: "ففرَّق".
(¬٣) ع: "التكليم".

الصفحة 59