كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

فقرة. فأما قوله: «الرّجاء أضعف منازل المريدين»، فتعقبه بأنه «ليس كذلك، بل هو من أجلِّ منازلهم وأعلاها وأشرفها. وعليه وعلى الحبِّ والخوف مدارُ السَّير إلى الله. وقد مدح الله أهله وأثنى عليهم ... » إلخ (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٨).
وأما قوله: «لأنه معارضة من وجهٍ، واعتراض من وجهٍ، وهو وقوع في الرعونة»، فقال في الرد عليه: «بل هو عبوديّة وتعلُّقٌ بالله من حيث اسمُه المُحسن البَرُّ، فذلك التّعلُّق والتّعبُّد بهذا الاسم والمعرفةُ بالله هو الذي أوجب له الرجاءَ مِن حيث يدري ومن حيث لا يدري، فقوّة الرجاء على حسب قوَّة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وغلبةِ رحمته غضبَه ... » إلخ (٢/ ٢٦٨ - ٢٨٠). وهو تعقُّب طويل متين مثل معظم تعقباته، ويدل على تعمقه في فهم المسائل الدقيقة للسلوك واقتداره على حسن الإبانة عنها.
وأمَّا قول الشيخ: «إن التنزيل نطق به لفائدةٍ واحدة، وهي كونه يبرِّد حرارة الخوف»، فتعقبه ابن القيم بقوله: «بل لفوائد كثيرةٍ أُخَر سوى هذه». ثم ذكر إحدى عشرة فائدة (٢/ ٢٨٠ - ٢٨٣)، نكتفي هنا بذكر واحدة منها، وهي: «أنَّ الرجاء حادٍ يحدو به في سيره إلى الله، ويطيِّب له المسير، ويحثُّه عليه، ويبعثه على ملازمته. فلولا الرجاء لما سرى أحدٌ، فإن الخوف وحده لا يحرِّك العبد، وإنّما يحرِّكه الحبُّ، ويزعجه الخوف، ويحدوه الرّجاء».
وختم ابن القيم هذا النقد الطويل لكلام الهروي داعيًا له، معتذرًا عن اعتراضه عليه، معترفًا بفضل الشيخ عليه، وكل ذلك بعبارة بليغة يحسن أن نختم بها هذا المبحث أيضا. قال:
«والله يشكر لشيخ الإسلام سعيَه، ويُعلي درجته، ويَجزيه أفضل جزائه، ويجمع بيننا وبينه في محلِّ كرامته. فلو وَجَد مريدُه سعةً وفسحةً في ترك
فصل

المرتبة الرّابعة: مرتبة المحدَّث (¬١).
وهذه دون مرتبة الوحي الخاصِّ، فتكون (¬٢) للصدِّيقين، كما كانت لعمر بن الخطّاب - رضي الله عنه -، كما قال النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنّه قد (¬٣) كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في هذه الأمّة أحدٌ فعمر بن الخطّاب" (¬٤) - رضي الله عنه -.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة (¬٥) - رضي الله عنه - يقول: جزَم بأنّهم كائنون في الأمم قبلنا، وعلَّق وجودَهم في هذه الأمّة بـ "إنْ" الشّرطيّة، مع أنّها أفضل الأمم؛ لاحتياجِ الأمم قبلنا إليهم، واستغناءِ هذه الأمّة عنهم لكمالِ نبوَّةِ نبيِّها ورسالته، فلم يُحوِج الله الأمّةَ بعده إلى محدَّثٍ ولا ملهَمٍ، ولا صاحبِ كشفٍ ولا إلى منامٍ. فهذا التّعليق لكمال الأمّة واستغنائها، لا لنقصها.
والمحدَّث: هو الذي يحدَّث في سرِّه وقلبه بالشَّيء، فيكون كما يحدَّث به.
قال شيخنا - رضي الله عنه -: والصِّدِّيقُ كان (¬٦) أكملَ من المحدَّث، لأنّه استغنى بكمال صدِّيقيّته ومتابعته عن التّحديث والإلهام والكشف، فإنّه قد سلَّم
---------------
(¬١) غيِّر في ل إلى "التحديث".
(¬٢) ع: "وتكون".
(¬٣) "قد" ساقطة من ع.
(¬٤) أخرجه البخاري (٣٤٦٩) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، ومسلم (٢٣٩٨) عن عائشة - رضي الله عنها -.
(¬٥) ع: "تقي الدين ابن تيمية".
(¬٦) لم ترد "كان" في ع.

الصفحة 61