كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

الاعتراض عليه واعتراض كلامه لَمَا فعل، كيف وقد نفعه الله بكلامه، وجلس بين يديه مجلس التِّلميذ من أستاذه، وهو أحدُ مَن كان على يديه فتحُه يقظةً ومنامًا. وهذا غاية جهد المقلِّ في هذا الموضع، فمن كان عنده فضلُ علمٍ فليَجُد به، أو فليُعذِر ولا يبادر إلى الإنكار؛ فكم بين الهدهد وسليمان نبيِّ الله ــ صلى الله على نبينا وعليه وسلَّم ــ وهو يقول: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [النمل: ٢٢]! وليس شيخُ الإسلام أعلمَ من نبيِّ الله، ولا المعترضُ عليه بأجهلَ من هدهد! وبالله المستعان».
* * *
قلبه (¬١) وسرَّه وظاهرَه وباطنَه للرّسول - صلى الله عليه وسلم -، فاستغنى به عمّا منه (¬٢).
قال: وكان هذا المحدَّث يَعْرِض ما يُحدَّث به على ما جاء به الرَّسول، فإن وافقه قبله، وإلّا ردَّه. فعُلِمَ أنّ مرتبة الصِّدِّيقيّة فوق مرتبة التّحديث (¬٣).
قال: وأمّا ما يقوله كثيرٌ من أصحاب الخيالات والجهالات: حدّثني قلبي عن ربِّي، فصحيحٌ أنّ قلبه حدّثه، لكن عمَّن (¬٤)؟ عن شيطانه، أو عن ربِّه؟ فإذا قال: حدَّثني قلبي عن ربِّي، كان مُسْنِدًا للحديث إلى من لم يعلم أنّه حدَّثه به، وذلك كذبٌ (¬٥).
قال: ومحدَّث الأمّة لم يكن يقول ذلك، ولا تفوَّه به يومًا من الدّهر، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك. بل كتب كاتبه يومًا: هذا ما أرى الله تعالى أميرَ المؤمنين عمرَ بن الخطّاب، فقال: لا، امحُه واكتب: هذا ما رأى عمرُ بن الخطَّاب. فإن كان صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمن عمر، واللهُ ورسولُه منه بريءٌ (¬٦). وقال في الكلالة: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله،
---------------
(¬١) في ع بعده زيادة: "كلَّه".
(¬٢) انظر نحوه في "الجواب الصحيح" (٢/ ٣٨٢)، و"الصفدية" (١/ ٢٥٩)، و"شرح الأصفهانية" (ص ١٧٥)، و"مجموع الفتاوى" (١٧/ ٤٦). وانظر: "مفتاح دار السعادة" (٢/ ٧٢٦).
(¬٣) من هنا وقع في بعض النسخ المتأخرة في أول الفصل: "وتكون دون مرتبة الصديقين" بدلًا من "وتكون للصديقين". وانظر: "جامع المسائل" (١/ ٥٧)، و"درء التعارض" (٥/ ٢٨).
(¬٤) "عمَّن" ساقط من ع.
(¬٥) وانظر: "مجموع الفتاوى" (١٣/ ٢١٨)، و"إغاثة اللهفان" (١/ ٢١٣ - ٢١٤).
(¬٦) أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٩/ ٢١٤) والهروي في "ذم الكلام" (٢٦٦) والبيهقي (١٠/ ١١٦) وابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٤٨) من طرق عن أبي إسحاق الشيباني عن أبي الضحى عن مسروق به. وصحح إسناده المؤلف في "أعلام الموقعين" (١/ ١١٤) وابن حجر في "التلخيص الحبير" (٦/ ٣٢٠٢). وقوله: "والله ورسوله منه بريء" لم أجده.

الصفحة 62