كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

وعندما ذكر صاحب «المنازل» ذكر عددًا من مؤلفاته ووصفه بقوله: «وصاحب المنازل - رحمه الله - كان شديد الإثبات للأسماء والصفات، مضادًّا للجهمية من كل وجه، وله كتاب «الفاروق» استوعب فيه أحاديث الصفات وآثارها، ولم يُسبق إلى مثله، وكتاب «ذم الكلام وأهله» طريقتُه فيه أحسنُ طريقة، وكتاب لطيف في أصول الدين يسلك فيه طريقة أهل الإثبات ويقرّرها ... » (١/ ٤٠٩).
وذكر المؤلف في أثناء الكتاب سبعة من مؤلفاته، وأحال عليها للتفصيل، وقد سبق ذكرها في إثبات نسبة الكتاب.
أما استفادته من شيخه شيخ الإسلام ونقلُه من كتبه وسماعُه للكثير من كلامه فهو مذكور في مواضع كثيرة من الكتاب، بل يعتبر هذا الكتاب أهم مصدر لمعرفة أحوال شيخ الإسلام وزهده وورعه وفراسته ومعرفته بأحوال القلوب، واختياراته وتوجيهاته، ويمكن أن يفرد منها جزء لطيف يحوي من كلام الشيخ وآرائه وأحواله ما لا يوجد في مصدر آخر (¬١).
* * *
_________
(¬١) وقد ضمّنا في «الجامع لسيرة الإسلام» ــ الطبعة الخامسة ــ أهمّ ما ذكره ابن القيم عن شيخه من أحوال ومواقف. (علي العمران).
غيرُه، مع استوائهما في حفظه وفهمِ أصل معناه.
فالفهمُ عن الله ورسوله عنوان الصِّدِّيقيّة ومنشور الوراثة (¬١) النّبويّة. وفيه تفاوتت مراتب العلماء، حتّى عُدَّ ألفٌ بواحدٍ (¬٢).
فانظر إلى فهم ابن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - وقد سأله عمر، ولمن حضر من أهل بدرٍ وغيرهم، عن سورة {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} وما خُصَّ به ابنُ عبّاسٍ من فهمه منها: نعيَ الله سبحانه نبيَّه إلى نفسه وإعلامَه بحضور أجله؛ وموافقةِ عمر (¬٣) له على ذلك (¬٤)، وخفائه (¬٥) على غيرهما من الصّحابة - رضي الله عنهم -، وابنُ عبّاسٍ إذ ذاك أحدثُهم سنًّا. وأين تجد في هذه السُّورة الإعلام بأجله، لولا الفهم الخاصُّ؟ ويَدِقُّ هذا حتّى يصل إلى مراتب تتقاصر عنها أفهامُ أكثر النّاس، فيحتاج مع النّصِّ إلى غيره؛ ولا يقع الاستغناء بالنُّصوص في حقِّه، وأمّا في حقِّ صاحب الفهم فلا يحتاج مع النُّصوص إلى غيرها.
فصل
المرتبة السادسة: مرتبة البيان العامِّ.
وهو تبيينُ الحقِّ وتمييزُه من الباطل بأدلّته وشواهده وأعلامه، بحيث يصير مشهودًا للقلب كشهود العين للمرئيّات.
---------------
(¬١) ع: "الولاية".
(¬٢) اقتباس من قول البحتري وهو من أبياته السائرة (ديوانه ١/ ٦٢٥):

ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... إلى الفضل حتى عُدَّ ألفٌ بواحدِ
(¬٣) سياق الكلام: "فانظر إلى فهم ابن عباس ... وموافقةِ عمر".
(¬٤) كما في "صحيح البخاري" (٣٦٢٧) وغيره من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -.
(¬٥) رسمه في الأصل وغيره: "خفاؤه".

الصفحة 65