كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

أثره في الكتب اللاحقة
كان من الطبيعي أن يكون شرح ابن القيم هذا مصدرًا مهمًّا للشراح من بعده، ولكن لم نقف في الشروح التي وصلتنا من اعتمد عليه سوى أبي عبد الله الشُّطيبي (ت ٩٦٣) في شرحه «عيون الناظرين»، فقد عدّه من الشروح السبعة التي لخَّص منها كتابه (¬١).
وقد نقل عن الكتاب عددٌ من المؤلفين، واعتمدوا على كلام ابن القيم فيه عند شرح موضوعات التوحيد والزهد والتصوف، وقد ذكر بعضهم عنوان الكتاب «شرح المنازل» أو «المدارج» أو «مدارج السالكين»، واقتصر بعضهم على ذكر المؤلف دون الكتاب، واستفاد منه ابن أبي العزّ الحنفي (ت ٧٩٢) في «شرح الطحاوية» في مواضع دون أن يذكر المؤلف أو الكتاب، وهو أقدم مَن نقل عنه. وفيما يلي ذكر هذه المواضع:
شرح الطحاوية (¬٢) ... مدارج السالكين
١/ ١٩، ٢٠ ... ١/ ٢١٤
١/ ٢١، ٢٢ ... ٤/ ٤٣٩
١/ ٢٥ ... ٤/ ٤٤٧
١/ ١٥٤، ١٥٥ ... ٤/ ٤٧٨، ٤٧٩
١/ ١٦٧ (حدود المحبة) ... ٣/ ٣٧٢ وما بعدها
١/ ٢٢٨، ٢٢٩ ... ٣/ ١٥٧ وما بعدها
_________
(¬١) «عيون الناظرين» (ص ١٠٥).
(¬٢) اعتمدنا على طبعة مؤسسة الرسالة سنة ١٤١٧.
وهذه المرتبة هي حجّة الله على خلقه، التي لا يعذِّب أحدًا ولا يُضِلُّه إلّا بعد وصوله إليها، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: ١١٥]. فهذا الإضلالُ عقوبةٌ منه لهم، حين بيَّن لهم، فلم يقبلوا ما بيَّنه (¬١)، ولم يعملوا به، فعاقبهم بأن أضَلَّهم عن الهدى. وما أضلَّ الله سبحانه أحدًا قطُّ إلّا بعد هذا البيان.
وإذا عرفتَ هذا عرفتَ سرَّ القدر، وزالت عنك شكوكٌ كثيرةٌ وشبهاتٌ في هذا الباب، وعلمتَ حكمةَ الله في إضلاله مَن يُضِلُّه من عباده (¬٢). والقرآن يصرِّح بهذا في غير موضعٍ، كقوله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: ٥]، وقوله: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} (¬٣) [النساء: ١٥٥]. فالأوّل: كفر عنادٍ، والثّاني: كفر طبعٍ. وقوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: ١١٠]. فعاقبهم على ترك الإيمان به حين تبيَّنوه وتحقَّقوه، بأن قلَّب أفئدتهم وأبصارهم فلم يهتدوا له. فتأمَّلْ هذا الموضع حقَّ التّأمُّل، فإنّه موضعٌ عظيمٌ.
وقال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: ١٧]. فهذا (¬٤) هدى البيان والدِّلالة، وهو شرطٌ لا موجِبٌ، فإنّه إن لم يقترن به هدًى آخر بعده لم يحصل به كمال الاهتداء، وهو هدى التّوفيق والإلهام.
---------------
(¬١) بعده في ع زيادة: "لهم".
(¬٢) "من عباده" ساقط من ش.
(¬٣) في الأصل وغيره: "وقالوا قلوبنا غلف ... " خلط بين آيتين: آية البقرة (٨٨) وآية النساء (١٥٥).
(¬٤) ش: "وهذا". وكذا كان في الأصل ثم أصلح.

الصفحة 66