كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
{إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} [الجن: ١] وقولهم: {يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: ٣٠]، فهذا سماع إدراكٍ اتَّصل به الإيمان والإجابة.
وأمّا سماع الفهم فهو المنفيُّ عن أهل الإعراض والغفلة بقوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} [النمل: ٨٠]، وقولِه: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: ٢٢]، فالتخصيص هاهنا لإسماع الفهم والعقل، وإلَّا فالسمع العامُّ الذي قامت به الحجَّة لا تخصيص فيه.
ومنه قوله تعالى: {(٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ} [الأنفال: ٢٣]، أي لو علم الله في هؤلاء الكفَّار قبولًا وانقيادًا لأفهمهم، وإلَّا فهُم قد سمعوا سمع الإدراك، {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ}، أي ولو أفهمهم لما انقادوا ولا انتفعوا بما فهموه (¬١)، لأنَّ في قلوبهم من داعي (¬٢) التولِّي والإعراض ما يمنعهم عن الانتفاع بما سمعوه.
وأمَّا سماع القبول والإجابة ففي قوله تعالى حكايةً عن عباده المؤمنين أنّهم قالوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: ٢٨٥]، فإنَّ هذا سماع (¬٣) قبولٍ وإجابةٍ مثمرٌ للطاعة. والتّحقيق أنَّه متضمِّن للأنواع الثّلاثة، وأنَّهم أخبروا بأنَّهم أدركوا المسموع وفهموه وأجابوا له.
---------------
(¬١) ع: «فهموا».
(¬٢) م، ش: «دواعي».
(¬٣) ع: «سمع».
الصفحة 134