كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

بينهما أنّ المكروه الذي يَرِد على القلب، إن كان لِما يُستقبَل أورثه الهمَّ، وإن كان لما مضى أورثه الحزن. وكلاهما مُضعف للقلب مُفتر للعزم.
ولكن نزول منزلته ضرورية (¬١) بحسب الواقع، ولهذا يقول أهل الجنَّة إذا دخلوها: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: ٣٤]، فهذا يدلُّ على أنّهم كان يصيبهم في الدُّنيا الحزن، كما تصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم.
وأمَّا قوله تعالى: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: ٩٢] (¬٢)، فلم يُمدَحوا على نفس الحزن، وإنّما مُدِحوا على ما دلَّ عليه الحزن من قوَّة إيمانهم حيث تخلَّفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعجزهم عن النفقة، ففيه تعريضٌ بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلُّفهم وغبطوا نفوسهم به.
وأمّا قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «ما يصيب المؤمن من همٍّ ولا نصبٍ ولا حزنٍ إلَّا كفَّر الله به من خطاياه» (¬٣)، فهذا يدلُّ على أنَّه مصيبةٌ من الله يصيب بها العبدَ يكفِّر بها من سيِّئاته؛ لا يدلُّ على أنَّه مقامٌ ينبغي طلبه واستيطانه.
---------------
(¬١) كذا في جميع النسخ، جعل الخبر عن المضاف إليه، والوجه: «ضروري» كما أثبته الفقي في طبعته.
(¬٢) هذه الآية أوردها الماتن في مطلع «باب الحزن».
(¬٣) أخرجه البخاري (٥٦٤١) ومسلم (٢٥٧٣) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة.

الصفحة 170