كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
فصل
ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: منزلة الإشفاق؛ قال تعالى: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: ٤٩]، وقال تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: ٢٥ - ٢٧].
الإشفاق رقَّة الخوف، وهو خوفٌ برحمةٍ من الخائف لمن يخاف عليه، فنسبته إلى الخوف نسبة الرَّأفة إلى الرحمة، فإنَّها ألطف الرحمة وأرقُّها.
ولهذا قال صاحب «المنازل» - رحمه الله - (¬١): (الإشفاق: دوام الحَذَر مقرونًا بالترحُّم، وهو على ثلاث درجاتٍ، الأولى: إشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد). أي: تُسرعَ وتذهبَ إلى طريق الهوى والعصيان ومعاندة العبوديَّة.
(وإشفاقٌ على العمل: أن يصير إلى الضياع).
أي: يخاف على عمله أن يكون من الأعمال التي قال الله تعالى فيها: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: ٢٣]، وهي الأعمال التي كانت لغير الله، وعلى غير أمره وسنَّة رسوله.
ويخاف أيضًا أن يضيع عملُه في المستقبل، إمَّا بتركه، وإمَّا بمعاصٍ (¬٢)
---------------
(¬١) (ص ٢١).
(¬٢) في النسخ عدا ل، ع: «بمعارض»، ثم أُصلح في الأصل بمسح الراء.