كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

تُغرقه (¬١) وتُحيط (¬٢) به فيذهب ضائعًا، ويكون حال صاحبه كالحال التي قال الله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} [البقرة: ٢٦٦]. قال عمر - رضي الله عنه - للصحابة - رضي الله عنهم - يومًا: فيمن ترون هذه الآية نزلت؟ فقالوا: الله أعلم، فغضب عمر - رضي الله عنه - وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: في نفسي منها شيءٌ يا أمير المؤمنين. قال: يا ابن أخي، قُل ولا تحقرنَّ نفسك. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: ضربت مثلًا لعملٍ. قال عمر: أيُّ عملٍ؟ قال ابن عباس: لعملٍ. قال عمر: لرجلٍ غنيٍّ يعمل بطاعة الله، بعث (¬٣) الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتَّى أغرق (¬٤) أعماله (¬٥).
قال (¬٦): (وإشفاقٌ على الخليقة لمعرفة معاذيرها).
هذا قد يوهم نوعَ تناقضٍ، فإنَّه كيف يُشفق مع معرفة العذر؟ وليس بمتناقضٍ، فإنَّ الإشفاق ــ كما تقدَّم ــ خوف مقرون برحمةٍ، فيشفق عليهم من
---------------
(¬١) قراءة المطبوعات: «تفرِّقُه»، والمثتبت أقرب إلى رسم عامَّة النسخ، ويؤيده ما سيأتي في قول عمر: « ... فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله».
(¬٢) كذا في الأصل، ش بالياء المثناة من الإحاطة. وفي ل، ج، ن بالباء الموحدة من الحبوط. وفي ع: «تُحبِطه».
(¬٣) ع: «فبعث». ولفظ الحديث: «ثم بعث».
(¬٤) في ع زيادة: «جميع»، ولا توجد في لفظ الحديث.
(¬٥) أخرجه البخاري (٤٥٣٨).
(¬٦) «المنازل» (ص ٢١).

الصفحة 190