كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

فصل
ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} منزلة التبتُّل. قال الله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: ٨].
والتّبتُّل: الانقطاع، وهو (تَفَعُّل) من البَتْل وهو القطع. وسمِّيت مريمُ «البتول» لانقطاعها عن الأزواج وعن نظراء زمانها (¬١)، ففاقت نساء الزّمان شرفًا وفضلًا وقُطعت منهنَّ.
ومصدرُ تبتَّل: «تبتُّلًا» كالتعلُّم والتفهُّم، ولكن جاء على التفعيل مصدرُ (تفَعَّلَ) (¬٢) لسرٍّ لطيفٍ، فإنَّ في هذا الفعل إيذانًا بالتدريج والتكلُّف والتعمُّل والتكثير والمبالغة (¬٣)؛ فأتى بالفعل الدالِّ على أحدهما، والمصدر الدالِّ على الآخر، فكأنه قيل: بتِّلْ نفسك إليه تبتيلًا، وتبتَّلْ أنت إليه تبتُّلًا؛ ففُهم المعنيان من الفعل ومصدره. وهذا كثيرٌ في القرآن، وهو من أحسن الاختصار والإيجاز.
---------------
(¬١) ع: «نظراء نساء زمانها».
(¬٢) كذا في جميع النسخ. أي: جاء مصدرُ (تفعَّلَ) في الآية على التفعيل ــ وهو خلاف الأصل ــ لسرٍّ لطيف. وقد يكون «تفعَّلَ» سبق قلم أو تصحيفًا عن «فعَّلَ»، فيكون السياق: «جاء (أي: مصدر تبتَّل) على التفعيل مصدرِ (فعَّلَ) لسرٍّ لطيف».
(¬٣) كذا في النسخ بالجمع بين معاني الفعلين على نسق، والمراد أن (تفعَّلَ) يؤذن بالتدريج والتكلُّف والتعمُّل، و (فعَّل) يؤذن بالتكثير والمبالغة، فجاء الفعل (تبتَّل) من الأول، والمصدر (تبتيلًا) من الثاني، لتكون الآية دالَّة على كلا المعنيَين.

الصفحة 249