كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
الذين ذكرناهم ــ يعني قبل هذه الآية. وقال أبو رجاءٍ العُطارديُّ: معناه: إن يكفر بها أهل الأرض، فقد وكَّلنا بها أهل السماء وهم الملائكة. وقال ابن عباسٍ ومجاهدٌ: هم الأنصار وأهل المدينة (¬١). والصواب: أنَّ المراد من قام بها إيمانًا ودعوةً وجهادًا ونصرةً، فهؤلاء هم الذين وكّلهم الله بها.
فإن قلت: فهل يصحُّ أن يقال: إنَّ أحدًا وكيل الله؟
قلت: لا، فإنَّ الوكيل من يتصرَّف عن (¬٢) موكِّله بطريق النِّيابة، واللهُ عزّ وجلّ لا نائب له، ولا يخلفه أحدٌ، بل هو الذي يخلف عبده كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللهمَّ أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل» (¬٣). على أنّه لا يمتنع أن يطلق ذلك باعتبار أنّه مأمورٌ بحفظ ما وُكِّل فيه ورعايته والقيام به (¬٤).
وأمَّا توكيل العبد ربَّه فهو تفويضه إليه وعزلُ نفسه عن التصرُّف، وإثباته لأهله ووليِّه. ولهذا قيل في التوكُّل: إنَّه عزلُ النفس عن الرُّبوبيَّة وقيامُها بالعبوديَّة (¬٥). وهذا معنى كون الربِّ وكيلَ عبده، أي كافيه والقائم بأموره ومصالحه، لا أنه نائبه في التصرُّف.
فوكالة الربِّ عبده أمرٌ وتعبُّد وإحسانٌ إليه، وخلعةٌ منه عليه، لا عن ح
---------------
(¬١) أقوالهم عدا قول مجاهد أخرجها الطبري في «تفسيره» (٩/ ٣٨٩، ٣٩٠). والمؤلف صادر عن «معالم التنزيل» (٣/ ١٦٦).
(¬٢) الأصل: «من».
(¬٣) أخرجه مسلم (١٣٤٢) من حديث ابن عمر.
(¬٤) وانظر: «مفتاح دار السعادة» (١/ ٤٦٠).
(¬٥) هو قول ذي النون، وقد سبق عزوه.