كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
فصل
ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: منزلة الثِّقة بالله.
قال صاحب «المنازل» (¬١): (الثقة: سواد عين التوكُّل، ونقطة دائرة التفويض، وسويداء قلب التسليم).
وصدَّر الباب بقوله تعالى لأمِّ موسى: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي} [القصص: ٧]، فإنَّ فعلها هذا هو عين ثقتها بالله، إذ لولا كمال ثقتها بربِّها لما ألقت ولدها وفلذة كبدها في تيَّار الماء، تتلاعب به أمواجُه وجِرياتُه (¬٢) إلى حيث ينتهي أو يقف.
ومراده: أنَّ الثقة خلاصةُ التوكُّل ولبُّه، كما أنَّ سواد العين أشرف ما في العين.
وأشار بأنَّه (نقطة دائرة التوكل (¬٣)) إلى أنَّ مدار التوكُّل عليه، وهو في وسطه كحال النقطة من الدائرة، فإنَّ النقطة هي المركز الذي عليه استدارة المحيط، ونسبة جهات المحيط إليه نسبة واحدة، وكلُّ جزءٍ من أجزاء
---------------
(¬١) (ص ٣٥).
(¬٢) في عامَّة النسخ يحتمل أن يُقرأ: «وجَرَيانه».
(¬٣) ع: «التفويض» , وكذا في هامش الأصل, وهو لفظ «المنازل» كما سبق. وإنما أثبتنا ما في صلب الأصل وسائر النسخ لأن المؤلف فسَّره بقوله: «أن مدار التوكل عليه» ولم يقل: «مدار التفويض» مما يؤيِّد أن المثبت هو الذي كتبه المؤلف، على أنه يأتي في آخر الفقرة: «يدور عليها التفويض» , فلعله انتبه له فيما بعد.