كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

فصل

ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: منزلة الرِّضا.
وقد أجمع العلماء على أنه مستحبٌّ مؤكَّدٌ استحبابُه، واختلفوا في وجوبه على قولين (¬١). وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ يحكيهما قولين لأصحاب أحمد. وكان يذهب إلى القول باستحبابه، قال: ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحُهم. قال: وأمَّا ما يُروى من الأثر: «من لم يصبر على بلائي، ولم يرضَ بقضائي، فليتَّخذ ربًّا سواي» (¬٢)، فهذا أثرٌ إسرائيليٌّ، ليس يصحُّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬٣).
قلت: ولا سيّما عند من يرى أنّه من جملة الأحوال التي ليست مكتسبة، وأنه (¬٤) موهبة محضة، فكيف يؤمر به وليس مقدورًا؟
وهذه مسألةٌ اختلف فيها أرباب السُّلوك على ثلاث طرقٍ، فالخراسانيُّون قالوا: إن الرِّضا من جملة المقامات، وهو نهاية التّوكُّل. فعلى
---------------
(¬١) كتب بعضهم في هامش الأصل: «ليت شعري كيف يسوغ له دعوى الإجماع مع نقل الخلاف في الوجوب. كتبه عبد الرحمن [ ..... ] الشافعي». ويجاب عنه بأنه أراد بالاستحباب المُجمَع عليه ما يشمل الندب والوجوب.
(¬٢) روي مرفوعًا من حديثي أبي هندٍ الداري وأنس بن مالك بأسانيد واهية جدًّا. وقد سبق تخريجه مفصَّلًا (١/ ١٦٧).
(¬٣) انظر: «منهاج السنة» (٣/ ٢٠٤) و «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٩١، ١٠/ ٤٠).
(¬٤) ع: «بل هي».

الصفحة 476