كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

وقد اختلفوا في مسألةٍ تتعلَّق بذلك، وهي أهل مقاماتٍ ثلاثةٍ، أحدهم: يحبُّ الموت شوقًا إلى الله ولقائه، والثَّاني: يحبُّ البقاء للخدمة والتقرُّب، والثالث قال: لا أختار شيئًا، بل أرضى بما يختار لي مولاي، إن شاء أحياني وإن شاء أماتني. فتحاكموا إلى بعض العارفين، فقال: صاحب الرِّضا أفضلهم، لأنَّه أقلُّهم فضولًا (¬١).
ولا ريب أنَّ مقام الرِّضا فوق مقام الشّوق والزُّهد في الدُّنيا. بقي النظر في مقامَي الآخَرَين: أيُّهما أعلى؟ فرجَّحت طائفةٌ مقام من أحبَّ الموت، لأنَّه في مقام الشوق إلى لقاء الله ومحبَّة لقائه؛ ومن أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه (¬٢).
ورجَّحت طائفةٌ مقامَ مريد البقاء لتنفيذ أوامر الربِّ تعالى. واحتجُّوا بأنَّ الأوَّل محبٌّ لحظِّه من الله، وهذا محبٌّ لمراد الله منه، لم يشبع منه ولم يقض منه وطرًا.
قالوا: وهذا حال موسى ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ حين لطم وجه ملك الموت ففقأ عينه (¬٣)، لا محبَّةً للدُّنيا، ولكن لينفِّذ (¬٤) أوامر الله ومراضيه في الناس، فكأنَّه قال: أنت عبده وأنا عبده، وأنت في طاعته وأنا في طاعته وتنفيذ أوامره.
---------------
(¬١) «قوت القلوب» (١/ ٤٤). وزاد في ع: «وأقرب إلى السلامة»، وليس في مصدر النقل.
(¬٢) جزء من حديث عبادة بن الصامت وأبي موسى المتفق عليهما، ورواه مسلم أيضًا عن عائشة وأبي هريرة. البخاري (٦٥٠٧، ٦٥٠٨) ومسلم (٢٦٨٣ - ٢٦٨٦).
(¬٣) كما في حديث أبي هريرة عند البخاري (١٣٣٩) ومسلم (٢٣٧٢).
(¬٤) ع: «لتنفيذ».

الصفحة 563