كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

وأعلى، لأنَّ الشُّكر يتضمَّن نوع دعوى، وأنَّه شكر الحقِّ على إنعامه، ففي الشاكر بقيَّةٌ من بقايا رسمه لم يفنَ عنها (¬١). فلو فني عنها بتحقُّقه أنَّ الحقَّ سبحانه هو الذي شكر نفسه بنفسه، وأنَّ من لم يكن كيف يشكر من لم يزل= علم أنَّ الشُّكر من منازل العامَّة.
ولو أنَّ السُّلطان كسا عبدًا من عبيده ثوبًا من ثيابه، فأخذ يشكر السُّلطان على ذلك= لعُدَّ مخطئًا، مسيئًا للأدب، فإنَّه مدَّعٍ بذلك مكافأة السُّلطان بشكره، فإنَّ الشُّكر مكافأةٌ، والعبد أصغر قدرًا من المكافأة. والشُّهود للحقيقة يقتضي اتِّحادَ (¬٢) نسبة الأخذ والعطاء، ورجوعَها إلى وصف المعطي وحوله وقوَّته، فالخاصَّة يسقط عندهم الشُّكر بالشُّهود، وفي حقِّهم ما هو أعلى منه.
هذا غايةُ تقرير كلامهم، وكسوتُه أحسن عبارةٍ لئلَّا يُتعدَّى (¬٣) عليهم بسوء التعبير الموجِب للتنفير. ونحن معنا العصمة النافعة: أنَّ كلَّ أحدٍ غير المعصوم فمأخوذٌ من قوله ومتروك، وكلُّ سبيلٍ لم يوافق سبيله فمهجورٌ غير مسلوكٍ.
فأمَّا تضمُّن الشُّكر لنوع دعوى، فإن أريد بهذه الدعوى إضافته (¬٤) الفعلَ إلى نفسه، وأنَّه كان به، وغاب بذلك عن كونه بحول الله وقوَّته ومنَّته على عبده= فلعمر الله هذه علَّة مؤثرة ودعوى كاذبة.
---------------
(¬١) ع: «لم يتخلص عنها ويفرُغ منها».
(¬٢) ش: «إيجاد»، خطأ.
(¬٣) هذا مقتضى النقط في ل، ش. والسياق يحتمل: «نَتعدَّى».
(¬٤) ع: «إضافة العبد».

الصفحة 598