كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

فانظر إلى هذه الغيرة القبيحة، الدّالّة على جَهْل صاحبها، مع أنّه في خَفارة ذلِّه وتواضعه وانكساره واحتقاره لنفسه.
ومن هذا ما (¬١) يُحكى عن الشِّبليِّ - رحمه الله -: أنّه لمّا مات ابنه دخلَ الحمّام ونوَّرَ (¬٢) لحيتَه، حتّى أذهب شَعرَها كلّه. فكلُّ من أتاه معزِّيًا قال: أيشٍ هذا يا أبا بكرٍ؟ قال: وافقتُ أهلي في قَطْع شعورهم. فقال له بعض أصحابه: أخبرني لمَ فعلتَ هذا؟ فقال: علمتُ أنّهم يُعزُّونني على الغفلة ويقولون: آجَرَك الله، ففديتُ ذِكرَهم لله بالغفلة بلحيتي (¬٣).
فانظُرْ إلى هذه الغيرة المحرّمة القبيحة، التي تضمّنتْ أنواعًا من المحرّمات: حلق الشَّعر عند المصيبة، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منّا من حلقَ وسَلقَ وخرقَ» (¬٤). أي حلق شعرَه، ورفع صوتَه بالنّدب والنِّياحة، وخرقَ ثيابه.
ومنها: حلق اللِّحية، وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإعفائها وتوفيرها.
ومنها: منعُ إخوانه من تعزيته ونيلِ ثوابها.
ومنها: كراهيته (¬٥) لجريان ذكرِ اسمِ الله على ألسنتهم بالغفلة. وذلك خيرٌ بلا شكٍّ من ترْكِ ذكره.
---------------
(¬١) «ما» ليست في د.
(¬٢) أي طلاه بالنُّورة، وهي حجر يحرق ويُسوّى منه الكلس، ويُحلق به الشعر.
(¬٣) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٥١).
(¬٤) أخرجه مسلم (١٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -.
(¬٥) ت: «كراهته».

الصفحة 423