كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

فيغفُل عن ذكر ربِّه، ويتّبع هواه، ويصير أمره فُرُطًا. والرّبط على القلب شَدُّه برباط التّوفيق (¬١)، فيتّصلُ بذكر ربِّه، ويتّبع مرضاته، ويجتمع عليه شَمْلُه. فلهذا استشهد عليه بهذه الآية في مقام الوجد.
والشّيخ - رحمه الله - جعل مقام الوجد غير مقام الوجود كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فإنّ الوجود عند القوم هو الظَّفر بحقيقة الشّيء. و «الوجد» هو ما يُصادف القلب ويَرِد عليه من واردات المحبّة والشّوق، والإجلال والتّعظيم، وتوابع ذلك. و «المواجيد» عندهم فوق الوجد، فإنّ الوجد مصادفةٌ، والمواجيد ثمراتُ الأوراد، وكلّما كثرت الأوراد قويت المواجيد. و «الوجود» عندهم فوق ذلك، وهو الظّفر بحقيقة المطلوب، ولا يكون إلّا بعد خمودِ البشريّة، وانسلاخِ أحكام النّفس انسلاخًا كلِّيًّا.
قال الجنيد - رحمه الله -: علم التّوحيد مُبايِنٌ لوجوده، ووجودُه مُبايِنٌ لعلمه (¬٢).
ولا يريد بالمباينة: المخالفة والمناقضة، فإنّه يطابقه مطابقةَ العلم للمعلوم. وإنّما يريد بالمباينة أنّ حالَ الموحِّد وذوقَه للتّوحيد وانصباغَ قلبه بحاله: أمرٌ وراء علمه به، ومعرفته به. والمباينة بينهما كالمباينة بين علم الشّوق والتّوكُّل والخوف ونحوها وبين حقائقها ومواجيدها.
فالمراتب أربعةٌ:
أضعفُها: التّواجد، وهو نوع تكلُّفٍ وتعمُّلٍ واستدعاءٍ. واختلفوا فيه: هل
---------------
(¬١) «فيغفل ... التوفيق» ساقطة من ت.
(¬٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٢٤٧، ٦٢٢).

الصفحة 456