كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

وكأنّ الشّيخ يقول: الذّائق بالتّصديق طعمَ الوعد لا يعارضُه ظنٌّ يعقله عن صدق الطّلب، وتَحبِسُه (¬١) عزيمتُه عن الجدِّ فيه. وفي حديث سيِّد الاستغفار قوله: «وأَنا على عهدِك ووعْدِك ما استطعتُ» (¬٢)، أي مقيمٌ على التّصديق بوعدك، وعلى القيام بعهدك، بحسب استطاعتي.
والحامل على هذه الإقامة والثّبات: ذوقُ طعم الإيمان، ومباشرته للقلب. ولو كان الإيمان مجازًا لا حقيقةً لم يثبت القلب على حكم الوعد والوفاء بالعهد، ولا يُقيمُه (¬٣) في هذا المقام إلّا ذوقُ طعم الإيمان. وثوبُ العارية لا يُجمِّل صاحبَه، ولا سيّما إذا عرف النّاس أنّه ليس له، وأنّه عاريةٌ عليه، كما قيل (¬٤):
ثوبُ الرِّياء يَشِفُّ عمّا تحتَه ... فإذا اشتملتَ به فإنّك عارِي
وكان بعضُ الصّحابة يُكثِر التّلبية في إحرامه، ثمّ يقول: لبّيك، لو كان رياءً لاضمحلَّ (¬٥).
وقد نفى (¬٦) الله تعالى الإيمان عمّن ادَّعاه وليس له فيه ذوقٌ، فقال
---------------
(¬١) أي: ولا تحبسه، عطفًا على الفعل «يعارضُه».
(¬٢) أخرجه البخاري (٦٣٠٦، ٦٣٢٣) من حديث شدَّاد بن أوس - رضي الله عنه -.
(¬٣) ت: «تقرر».
(¬٤) البيت لأبي الحسن التهامي من قصيدته الرائية المشهورة في «ديوانه» (ص ١٥٨) التي أولها:
حكم المنية في البرية جَارِ ... ما هذه الدنيا بدار قرارِ
(¬٥) أخرجه أحمد في «الزهد» (١١٥٤) عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم، وهو تابعي. وانظر: «حلية الأولياء» (٥/ ٧٠)، و «سير أعلام النبلاء» (٥/ ٦٣).
(¬٦) ش، د: «ينفي».

الصفحة 490