كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

وقد قسّم بعضهم (¬١) الصُّوفيّة أربعة أقسامٍ: أصحاب السّوابق، وأصحاب العواقب، وأصحاب الوقت، وأصحاب الحقِّ. قال:
فأمّا أصحاب السّوابق: فقلوبهم أبدًا فيما سبق لهم من الله سبحانه، لعلمهم أنّ الحكم الأزليّ لا يتغيّر باكتساب العبد. ويقولون: من أقْصَتْه السّوابقُ لم تُدْنِه الوسائل. ففكرهم (¬٢) في هذا أبدًا، ومع ذلك فهم مُجِدُّون في القيام بالأوامر، واجتناب النّواهي، والتّقرُّب إلى الله بأنواع القرب، غير واثقين بها، ولا ملتفتين إليها. يقول قائلهم (¬٣):
من أين أُرضِيكَ إلّا أن تُوفِّقني ... هيهاتَ هيهاتَ ما التّوفيقُ من قِبَلِي
إن لم يكن ليَ في المقدور سابقةٌ ... فليس ينفعُ ما قدَّمتُ من عملي
وأمّا أصحاب العواقب: فهم مفكّرون (¬٤) فيما يُختَم به أمرهم، فإنّ الأمور بأواخرها، والأعمال بخواتيمها، والعاقبة مستورةٌ، كما قيل: لا يَغُرّنَّك صَفاءُ الأوقات، فإنّ تحتها غوامضَ الآفات (¬٥). فكم من ربيعٍ نوَّرتْ أشجاره، وظهرتْ أزهاره، وزَهَتْ ثماره، لم يلبث أن أصابته جائحةٌ سماويّةٌ، فصار كما قال الله عزّ وجلّ: {وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا
---------------
(¬١) لم أعرف مَن هو.
(¬٢) ت: «فقلوبهم».
(¬٣) البيت الأول منهما ضمن أبيات في «التكملة» لابن الأبار (٣/ ١٨٤، ١٨٥)، ونُسبت لابن عصام وليست له.
(¬٤) ر: «متفكرون».
(¬٥) قاله أبو الحسن الحصري الصوفي، كما في «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٤٠)، و «تاريخ الإسلام» (٨/ ٣٦٢)، و «طبقات الأولياء» لابن الملقن (ص ٢١٣).

الصفحة 548