كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 4)
فيُحمَد إذا أظهر ما يجوز إظهارُه، ولا نقص عليه فيه، ولا ذمّ من الله ورسوله؛ ليكتم به حالَه وعملَه، كما إذا أظهر الغِنى وكتمَ الفاقَة (¬١)، وأظهر الصِّحّة وكتم المرض، وأظهر النِّعمة وكتم البليّة.
فهذا كلُّه من كنوز السِّتر (¬٢)، وله في القلب تأثيرٌ عجيبٌ يعرفه من ذاقه. وشكا رجلٌ إلى الأحنف بن قيسٍ شَكاةً فقال: يا ابن أخي لقد ذهب ضوء عيني (¬٣) من عشرين سنةً فما أخبرتُ به أحدًا (¬٤).
وأمّا الحال التي يُذمُّ فيها: فأنْ يُظهر ما لا يجوز إظهاره، ليسيء النّاسُ به الظّنَّ، فلا يعظِّمونه، كما يُذكر عن بعضهم: أنّه دخل الحمّام، ثمّ خرج وسرق ثياب رجلٍ، ومشى رويدًا حتّى أدركوه، فأخذوها منه وسبُّوه. فهذا حرامٌ لا يحلُّ تعاطيه، ويقبح أيضًا من المتبوع المقتدى به ذلك، بل وما (¬٥) هو دونه؛ لأنّه يغرُّ النّاسَ ويوقعهم في التّأسِّي بما يُظهره (¬٦).
فالملامتيَّة نوعان: ممدوحون أبرارٌ، ومذمومون جهّالٌ وإن كانوا في خفارة صدقهم.
---------------
(¬١) ر، ط: «الفقر والفاقة».
(¬٢) د، ت: «البر».
(¬٣) ر، ط: «بصري».
(¬٤) خبره في «الزهد» لأحمد (ص ٢٨٨) و «شعب الإيمان» (٩٥٨٣) و «صفة الصفوة»: (٣/ ٢٠٠). ومثله خبر الإمام إبراهيم الحربي ينظر «تاريخ بغداد»: (٦/ ٣١) و «معجم الأدباء»: (١/ ٤٢).
(¬٥) ت: «ومن».
(¬٦) ط زيادة: «من سوء».