كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 3)

آدَمُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِبًا، فَاغْتَرَّ بِهِ.
{فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) }
{فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} أَيْ: خَدَعَهُمَا، يُقَالُ: مَا زَالَ فُلَانٌ يُدَلِّي لِفُلَانٍ بِغُرُورٍ، يَعْنِي: مَا زَالَ يَخْدَعُهُ وَيُكَلِّمُهُ بِزُخْرُفٍ بَاطِلٍ مِنَ الْقَوْلِ.
وَقِيلَ: حَطَّهُمَا مِنْ مَنْزِلَةِ الطَّاعَةِ إِلَى حَالَةِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَا يَكُونُ التَّدَلِّي إِلَّا مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ، وَالتَّدْلِيَةُ: إِرْسَالُ الدَّلْوِ فِي الْبِئْرِ، يُقَالُ: تَدَلَّى بِنَفْسِهِ وَدَلَّى غَيْرَهُ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَصْلُهُ: تَدْلِيَةُ الْعَطْشَانِ الْبِئْرَ لِيُرْوَى مِنَ الْمَاءِ وَلَا يجد الماء 128/ب فَيَكُونُ مُدَلًّى بِغُرُورٍ، وَالْغُرُورُ: إِظْهَارُ النُّصْحِ مَعَ إِبْطَانِ الْغِشِّ.
{فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَلَمَّا أَكَلَا مِنْهَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: قَبْلَ أَنِ ازْدَرَدَا أَخَذَتْهُمَا الْعُقُوبَةُ، وَالْعُقُوبَةُ أَنْ "بَدَتْ" ظَهَرَتْ لَهُمَا "سَوْآتُهُمَا" عَوْرَاتُهُمَا، وَتَهَافَتَ عَنْهُمَا لِبَاسُهُمَا حَتَّى أَبْصَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُ مِنْ عَوْرَةِ صَاحِبِهِ، وَكَانَا لَا يَرَيَانِ ذَلِكَ. قَالَ وَهْبٌ: كَانَ لِبَاسُهُمَا مِنَ النُّورِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ ظُفُرًا أَلْبَسَهُمَا اللَّهُ مِنَ الظُّفُرِ لِبَاسًا فَلَمَّا وَقَعَا فِي الذَّنْبِ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا فَاسْتَحَيَا، {وَطَفِقَا} أَقْبَلَا وَجَعَلَا {يَخْصِفَانِ} يُرَقِّعَانِ وَيَلْزَقَانِ وَيَصِلَانِ، {عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} وَهُوَ وَرَقُ التِّينِ حَتَّى صَارَ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجْعَلَانِ وَرَقَةً عَلَى وَرَقَةٍ لِيَسْتُرَا سَوْآتِهِمَا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كَانَ آدَمُ رَجُلًا طِوَالًا كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سُحُوقٌ (1) كَثِيرُ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَلَمَّا وَقَعَ فِي الْخَطِيئَةِ بَدَتْ لَهُ سَوْأَتُهُ، وَكَانَ لَا يَرَاهَا فَانْطَلَقَ هَارِبًا فِي الْجَنَّةِ، فَعَرَضَتْ لَهُ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ فَحَبَسَتْهُ بِشَعْرِهِ، فَقَالَ لَهَا: أَرْسِلِينِي، قَالَتْ: لَسْتُ بِمُرْسِلَتِكَ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا آدَمُ أَمِنِّي تَفِرُّ؟ قَالَ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنِ اسْتَحْيَيْتُكَ" (2) .
{وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} يَعْنِي: الْأَكْلَ مِنْهَا، {وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ}
__________
(1) هي النخلة الطويلة المفرطة في الطول التي تبعد ثمرها عن المجتني.
(2) أخرجه ابن جرير مرفوعا وموقوفا: 12 / 352 و354، قال ابن كثير: 2 / 207 "وقد رواه ابن جرير وابن مردويه من طرق عن الحسن عن أبي بن كعب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرفوعا، والموقوف أصح إسنادا". وصححه السند إلى أُبي رضي الله عنه، لا تعني صحة الخبر في ذاته، فهذه التفصيلات الغيبية، لا دليل ثابت على صحتها، وغالبا ما تكون متلقاة من أهل الكتاب، والله أعلم.

الصفحة 220