كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 3)

الْقَرْنِ الصَّالِحِ فَبِتَحْرِيكِ اللَّامِ لَا غَيْرُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: أَكْثَرُ مَا جَاءَ فِي الْمَدْحِ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَفِي الذَّمِّ بِتَسْكِينِهَا وَقَدْ يُحَرَّكُ فِي الذَّمِّ وَيُسَكَّنُ فِي الْمَدْحِ. {وَرِثُوا الْكِتَابَ} أَيِ: انْتَقَلَ إِلَيْهِمُ الْكِتَابُ مِنْ آبَائِهِمْ وَهُوَ التَّوْرَاةُ، {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى} فَالْعَرَضُ مَتَاعُ الدُّنْيَا، وَالْعَرَضُ، بِسُكُونِ الرَّاءِ، مَا كَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ. وَأَرَادَ بِالْأَدْنَى الْعَالَمِ، وَهُوَ هَذِهِ الدَّارُ الْفَانِيَةُ، فَهُوَ تَذْكِيرُ الدُّنْيَا، وَهَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَرِثُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَؤُوهَا وَضَيَّعُوا الْعَمَلَ بِمَا فِيهَا، وَخَالَفُوا حُكْمَهَا، يَرْتَشُونَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَتَبْدِيلِ كَلِمَاتِهِ، {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} ذُنُوبُنَا يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّهِ الْأَبَاطِيلَ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيِّ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ" (1) .
{وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حِرْصِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الذُّنُوبِ، يَقُولُ إِذَا أَشْرَفَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا أَخَذُوهُ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا، وَيَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّهِ الْمَغْفِرَةَ وَإِنْ وَجَدُوا مِنَ الْغَدِ مِثْلَهُ أَخَذُوهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَا يَسْتَقْضُونَ قَاضِيًا إِلَّا ارْتَشَى فِي الْحُكْمِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا لَكَ تَرْتَشِي؟ فَيَقُولُ: سَيُغْفَرُ لِي، فَيَطْعَنُ عَلَيْهِ الْآخَرُونَ، فَإِذَا مَاتَ أَوْ نُزِعَ وَجُعِلَ مَكَانَهُ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَطْعَنُ عَلَيْهِ فَيَرْتَشِي أَيْضًا. يَقُولُ: وَإِنْ يَأْتِ الْآخَرِينَ عَرْضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ.
{أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} أَيْ: أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ الْبَاطِلَ، وَهِيَ تَمَنِّي الْمَغْفِرَةِ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَلَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ مِيعَادُ الْمَغْفِرَةِ مَعَ الْإِصْرَارِ، {وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} قَرَأُوا مَا فِيهِ، فَهُمْ ذَاكِرُونَ لِذَلِكَ، وَلَوْ عَقَلُوهُ لَعَمِلُوا لِلدَّارِ الْآخِرَةِ،
__________
(1) أخرجه الترمذي في صفة القيامة، باب الكيس من دان نفسه: 7 / 156، وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه في الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له: 2 / 1423 برقم (4260) ، وصححه الحاكم على شرط الشيخين 1 / 57، وتعقبه الذهبي فقال: قلت: لا والله، أبو بكر: واهٍ، وأخرجه أيضا في موضع آخر: 4 / 251. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 124، والبغوي في شرح السنة: 14 / 309 وقال: هذا حديث حسن، وصححه في مصابيح السنة: 3 / 444. والحديث، فيه: أبو بكر بن مريم الغساني، وهو ضعيف، قال ابن طاهر: مدار الحديث عليه، وهو ضعيف جدا. انظر: فيض القدير للمناوي: 5 / 68.

الصفحة 296