كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 3)

أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ" (1) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} يُقَالُ: لَهَثَ الْكَلْبُ يَلْهَثُ لَهْثًا: إِذَا أَدْلَعَ لِسَانَهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ مِثْلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْكِتَابَ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ.
وَالْمَعْنَى: إِنَّ هَذَا الْكَافِرَ إِنْ زَجَرْتَهُ لَمْ يَنْزَجِرْ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَهْتَدِ، فَالْحَالَتَانِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، كَحَالَتَيِ الْكَلْبِ: إِنْ طُرِدَ وَحُمِلَ عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ كَانَ لَاهِثًا، وَإِنْ تُرِكَ وَرَبَضَ كَانَ لَاهِثًا. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ يَلْهَثُ إِنَّمَا يَلْهَثُ مِنْ إِعْيَاءٍ أَوْ عَطَشٍ إِلَّا الْكَلْبَ، فَإِنَّهُ يَلْهَثُ فِي حَالِ الْكَلَالِ وَفِي حَالِ الرَّاحَةِ وَفِي حَالِ الْعَطَشِ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِمَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ فَقَالَ: إِنْ وَعَظْتَهُ فَهُوَ ضَالٌّ وَإِنْ تَرَكْتَهُ فَهُوَ ضَالٌّ كَالْكَلْبِ إِنْ طَرَدَتْهُ لَهَثَ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ عَلَى حَالِهِ لَهَثَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ) [الْأَعْرَافُ-193] ، ثُمَّ عَمَّ بِهَذَا التَّمْثِيلِ جَمِيعَ مَنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِ اللَّهِ فَقَالَ: {ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} وَقِيلَ: هَذَا مَثَلٌ لِكُفَّارِ مَكَّةَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ هَادِيًا يَهْدِيهِمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَبِيٌّ لَا يَشُكُّونَ فِي صِدْقِهِ كَذَّبُوهُ فَلَمْ يَهْتَدُوا تُرِكُوا أَوْ دُعُوا.
{سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) }
{سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أَيْ: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، وَتَقْدِيرُهُ: سَاءَ مَثَلًا مَثَلُ الْقَوْمِ، فَحَذَفَ مَثَلَ وَأُقِيمَ الْقَوْمُ مَقَامَهُ فَرُفِعَ، {وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ}
__________
(1) أخرجه الترمذي في الزهد، باب رقم (30) : 7 / 46 وقال: هذا حديث صحيح، وصححه ابن حبان ص (612) من موارد الظمآن، وأخرجه الدارمي في الرقاق: 2 / 304، والمصنف في شرح السنة: 14 / 257-258، وعزاه ابن رجب الحنبلي أيضا: للنسائي، وقال: وروي من وجه آخر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حديث ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأسامة بن زيد، وأبي سعيد، وعاصم بن عدي الأنصاري رضي الله عنهم. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 456،460. وانظر: "شرح حديث ما ذئبان جائعان" لابن رجب الحنبلي في مجموعة الرسائل المنيرية: 3 / 1 وما بعدها.

الصفحة 305