كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 4)

{قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) } .
{قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ} مَا نَفْهَمُ، {كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ، فَأَرَادُوا ضَعْفَ الْبَصَرِ (1) ، {وَلَوْلَا رَهْطُكَ} عَشِيرَتُكَ وَكَانَ فِي مَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، {لَرَجَمْنَاكَ} لَقَتَلْنَاكَ. وَالرَّجْمُ: أَقْبَحُ الْقَتْلِ. {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا} عِنْدَنَا، {بِعَزِيزٍ} .
{يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} أَيْ: مَكَانُ رَهْطِي أَهْيَبُ عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ، أَيْ: إِنْ تَرَكْتُمْ قَتْلِي لِمَكَانِ رَهْطِي فَالْأَوْلَى أَنْ تَحْفَظُونِي فِي اللَّهِ. {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} أَيْ: نَبَذْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَتَرَكْتُمُوهُ، {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} .
{وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أَيْ: عَلَى تُؤَدَتِكُمْ وَتَمَكُّنِكُمْ. يُقَالُ: فُلَانٌ يَعْمَلُ عَلَى مَكَانَتِهِ إِذَا عَمِلَ عَلَى تُؤَدَةٍ وَتَمَكُّنٍ. {إِنِّي عَامِلٌ} عَلَى تَمَكُّنِي، {سَوْفَ تَعْلَمُونَ} أَيَّنَا الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ، وَالْمُخْطِئُ فِي فِعْلِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يُذِلُّهُ {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} قِيلَ: "مَنْ" فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، أَيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ الْكَاذِبَ. وَقِيلَ: مَحَلُّهُ رَفْعٌ، تَقْدِيرُهُ: وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ يَعْلَمُ كَذِبَهُ وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ. {وَارْتَقِبُوا} وَانْتَظِرُوا الْعَذَابَ {إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} مُنْتَظِرٌ.
{وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} قِيلَ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ. وَقِيلَ: أَتَتْهُمْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَتْهُمْ. {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} مَيِّتِينَ.
__________
(1) قال ابن عطية رحمه الله: وهذا ضعيف لا تقوم عليه حجة، بضعف بصره أو بدنه، والظاهر من قولهم: "ضعيفا" أنه ضعيف الانتصار والقدرة، وأن رهطه الكفرة كانوا يراعون فيه. وقال أبو روق: إن الله لم يبعث نبيا أعمى، ولا نبيا به زمانة. انظر: المحرر الوجيز: 7 / 384، البحر المحيط: 5 / 256.

الصفحة 197

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text