كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 4)

{قَالُوا تَاللَّهَ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) } .
{قَالُوا} يَعْنِي: أَوْلَادَ يَعْقُوبَ، {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أَيْ: لَا تَزَالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ، لَا تَفْتُرُ مِنْ حُبِّهِ، وَ" لَا " مَحْذُوفَةٌ مِنْ قَوْلِهِ {تَفْتَأُ} يُقَالُ: مَا فَتِئَ يَفْعَلُ كَذَا أَيْ: مَا زَالَ، كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَائِمًا ... وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي (1)
أَيْ: لَا أَبْرَحُ. {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دفنا (2) وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَرَضُ مَا دُونَ الْمَوْتِ، يَعْنِي: قَرِيبًا مِنَ الْمَوْتِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَاسِدًا لَا عَقْلَ لَكَ.
وَالْحَرَضُ: الَّذِي فَسَدَ جِسْمُهُ وَعَقْلُهُ. وَقِيلَ: ذَائِبًا مِنَ الْهَمِّ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: حَتَّى تَكُونَ دَنِفَ الْجِسْمِ مَخْبُولَ الْعَقْلِ.
وَأَصْلُ الْحَرَضِ: الْفَسَادُ فِي الْجِسْمِ وَالْعَقْلِ مِنَ الْحُزْنِ وَالْهَرَمِ، أَوِ الْعِشْقِ (3) ، يُقَالُ: رَجُلٌ حَرَضٌ وَامْرَأَةٌ حَرَضٌ، وَرَجُلَانِ وَامْرَأَتَانِ حَرَضٌ، وَرِجَالٌ وَنِسَاءٌ كَذَلِكَ، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ (4) . {أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} أَيْ: مِنَ الْمَيِّتِينَ.
{قَالَ} يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ ذَلِكَ لَمَّا رَأَى غِلْظَتَهُمْ {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} وَالْبَثُّ: أَشَدُّ الْحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْبِتَهُ أَيْ يُظْهِرَهُ، قَالَ الْحَسَنُ: بَثِّي أَيْ: حَاجَتِي.
وَيُرْوَى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَعْقُوبَ جَارٌ لَهُ وَقَالَ: يَا يَعْقُوبُ مالي أَرَاكَ قَدْ تَهَشَّمْتَ وَفَنِيتَ وَلَمْ تَبْلُغْ مِنَ السِّنِّ مَا بَلَغَ أَبُوكَ؟ قَالَ: هَشَّمَنِي وَأَفْنَانِي مَا ابْتَلَانِي اللَّهُ بِهِ مِنْ هَمِّ يُوسُفَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا يَعْقُوبُ
__________
(1) البيت في ديوان امرئ القيس ص (32) واستشهد به الطبري في: 4 / 425، 16 / 221، وابن قتيبة في المشكل ص (174) . وفيها: قاعدا بدل قائما.
(2) في "ب": دنفا.
(3) ومنه قول العرجي: إني امرؤ لج بي حب فأحرضني ... حتى بليت; وحتى شفني السقم
يعني بقوله "فأحرضني": أذابني فتركني محرضا.
(4) فإذا وصف بهذا اللفظ ثُنِّي وجُمِع، وذُكِّر وأُنِّث. ووُحِّد "حرض" بكل حال ولم يدخله التأنيث؛ لأنه مصدر، فإذا أخرج على "فاعل" على تقدير الأسماء لزمه ما يلزم الأسماء من التثنية والجمع والتذكير والتأنيث. انظر: الطبري: 16 / 222.

الصفحة 268

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text