كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 4)
{وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) } .
{وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ} أَيْ: عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، {مِنْ أَجْرٍ} جُعْلٍ (1) وَجَزَاءٍ، {إِنْ هُوَ} مَا هُوَ يَعْنِي الْقُرْآنَ، {إِلَّا ذِكْرٌ} عِظَةٌ وَتَذْكِيرٌ، {لِلْعَالَمِينَ} .
{وَكَأَيِّنْ} وَكَمْ {مِنْ آيَةٍ} عِبْرَةٍ وَدَلالة، {فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا وَلَا يَعْتَبِرُونَ بِهَا.
{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} فَكَانَ مِنْ إِيمَانِهِمْ إِذَا سُئِلُوا: مَنْ خلق السموات وَالْأَرْضَ؟ قَالُوا: اللَّهُ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَنْ يُنْزِلُ الْقَطْرَ؟ قَالُوا: اللَّهُ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَيُشْرِكُونَ (2) .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَلْبِيَةِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ، لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ (3) .
وَقَالَ عَطَاءٌ: هَذَا فِي الدُّعَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ نَسُوا رَبَّهُمْ فِي الرَّخَاءِ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الْبَلَاءُ أَخْلَصُوا فِي الدُّعَاءِ (4) ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} الْآيَةَ (يُونُسَ -22) وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (الْعَنْكَبُوتِ -65) ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
__________
(1) الجُعل -بالضم- ومصدره الجَعْل -بالفتح- وهو الأجرة على الشيء فعلا أو قولا. انظر: النهاية لابن الأثير: 1 / 276 أنيس الفقهاء للقونوي ص (169) .
(2) وهو مروي عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وعطاء والشعبي وقتادة والضحاك وابن زيد. انظر: تفسير الطبري: 16 / 286-288، ابن كثير: 2 / 495، الدر المنثور 4 / 593.
(3) ثبت ذلك في الصحيحين، وفي صحيح مسلم: (2 / 843) أنهم كانوا إذا قالوا: لبيك لا شريك لك. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ويلكم قد قد" (أي: حسبكم لا تزيدوا على هذا) فيقولون: إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. هذا، ولم تذكر هذه الأحاديث أن الآيات نزلت في ذلك. فهي حكاية عن حالهم في الجاهلية وتلبيتهم هذه. وانظر: تفسير ابن كثير: 2 / 495.
(4) انظر: البحر المحيط: 5 / 351. وهذه الأقوال التي تقدمت وغيرها من الأقوال الأخرى المروية، داخلة كلها في عموم الآية الكريمة، ولا تنافي بينها، فذلك كله كان واقعا منهم، فالآية تحكي هذا كله.
الصفحة 283