كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 4)

الزَّجَّاجُ: التَّائِبُونَ رُفِعَ لِلِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ مُضْمَرٌ. الْمَعْنَى: التَّائِبُونَ -إِلَى آخَرِ الْآيَةِ-لَهُمُ الْجَنَّةُ أَيْضًا. أَيْ: مَنْ لَمْ يُجَاهِدْ غَيْرَ مُعَانِدٍ وَلَا قَاصِدٍ لِتَرْكِ الْجِهَادِ، لِأَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ يَجْزِي عَنْ بَعْضٍ فِي الْجِهَادِ، [فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ] (1) فَلَهُ الْجَنَّةُ أَيْضًا، وَهَذَا أَحْسَنُ، فَكَأَنَّهُ وَعَدَ الْجَنَّةَ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ: "وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى" (النِّسَاءِ-95) ، فَمَنْ جَعَلَهُ تَابِعًا لِلْأَوَّلِ كَانَ الْوَعْدُ بِالْجَنَّةِ خَاصًّا لِلْمُجَاهِدِينَ الْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (2) .
__________
(1) ما بين القوسين في "ب".
(2) في "ب": الصفات.
{التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) } .
قَوْلُهُ تَعَالَى: {التَّائِبُونَ} أَيِ: الَّذِينَ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ وَبَرِئُوا مِنَ النِّفَاقِ، {الْعَابِدُونَ} الْمُطِيعُونَ الَّذِينَ أَخْلَصُوا الْعِبَادَةَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {الْحَامِدُونَ} الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.
وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ" (1) . {السَّائِحُونَ} قَالَ ابْن مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمُ الصَّائِمُونَ (2) .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الصَّائِمُ سَائِحًا لِتَرْكِهِ اللَّذَّاتِ كُلِّهَا مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالنِّكَاحِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: السَّائِحُونَ الْغُزَاةُ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ، فَقَالَ: "إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (3) .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: السَّائِحُونَ هُمْ طَلَبَةُ الْعِلْمِ.
{الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} يَعْنِي: الْمُصَلِّينَ، {الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} بِالْإِيمَانِ، {وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} عَنِ الشِّرْكِ. وَقِيلَ: الْمَعْرُوفُ: السَّنَةُ، وَالْمُنْكَرُ: الْبِدْعَةُ. {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} الْقَائِمُونَ بِأَوَامِرِ اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَهْلُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ اللَّهِ. {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}
__________
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك: 1 / 502 وصححه على شرط مسلم، وأبو نعيم في الحلية: 5 / 69، قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الثلاثة، بأسانيد، وفي أحدها: قيس بن الربيع: وثقه شعبة والثوري وغيرهما، وضعفه يحيى القطان وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه البزار بنحوه، وإسناده حسن" مجمع الزوائد: 10 / 95. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 5 / 50، وفي سنده حبيب بن أبي ثابت، مدلس وقد عنعن.
(2) روي مرفوعا وموقوفا. والموقوف صحيح. انظر: الطبري: 14 / 502-504، الدر المنثور: 4 / 297-298، تفسير ابن كثير: 2 / 393.
(3) حديث ضعيف رواه الطبراني، وفيه: معلى بن هلال، وهو متروك. والمصنف في شرح السنة: 2 / 370-371، ورواه أبو داود في الجهاد من طريق أبي أمامة. وفي إسناده: رشدين بن سعد. وانظر: مجمع الزوائد: 4 / 254 فقد روى الهيثمي أوله، وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني: 3 / 479.

الصفحة 99