كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 6)

وَيُقَالُ: كَانَ قَارُونُ أَيْنَمَا ذَهَبَ يَحْمِلُ مَعَهُ مَفَاتِيحَ كُنُوزِهِ، وَكَانَتْ مِنْ حَدِيدٍ، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ جَعَلَهَا مِنْ خَشَبٍ، فَثَقُلَتْ فَجَعَلَهَا مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ عَلَى طُولِ الْأَصَابِعِ، وَكَانَتْ تُحَمَّلُ مَعَهُ إِذَا رَكِبَ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلًا (1) . {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} قَالَ لِقَارُونَ قَوْمُهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: {لَا تَفْرَحْ} لَا تَبْطَرُ وَلَا تَأْشَرُ وَلَا تَمْرَحُ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ، الْفَرِحِينَ} الْأَشِرِينَ الْبَطِرِينِ الَّذِينَ لَا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى مَا أَعْطَاهُمْ.
{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) }
{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ} اطْلُبْ فِيمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالنِّعْمَةِ وَالْجَنَّةِ وَهُوَ أَنْ تَقُومَ بِشُكْرِ اللَّهِ فِيمَا أَنْعَمَ عَلَيْكَ وَتُنْفِقَهُ فِي رِضَا اللَّهِ تَعَالَى، {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} قَالَ مُجَاهِدٌ، وَابْنُ زَيْدٍ: لَا تَتْرُكُ أَنْ تَعْمَلَ فِي الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ الْعَذَابِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ نَصِيبِ الْإِنْسَانِ مِنَ الدُّنْيَا أَنْ يَعْمَلَ لِلْآخِرَةِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: بِالصَّدَقَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ. وَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تَنْسَ صِحَّتَكَ وَقُوَّتَكَ وَشَبَابَكَ وَغِنَاكَ أَنْ تَطْلُبَ بِهَا الْآخِرَةَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَزِيدَ حَاتِمُ بْنُ مَحْبُوبٍ الشَّامِيُّ، أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ الْجَرَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ: وَهُوَ يَعِظُهُ: "اغْتَنَمَ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ" الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ (2) . قال الحسن: أمر أَنْ يُقَدِّمَ الْفَضْلَ وَيُمْسِكَ مَا يُغْنِيهِ، قَالَ مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ فِي قَوْلِهِ: "وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا"، قَالَ: قُوتَكَ وَقُوتَ أَهْلِكَ.
{وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [أَيْ: أَحْسِنُ بِطَاعَةِ اللَّهِ] (3) كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ بِنِعْمَتِهِ.
__________
(1) انظر الأقوال السالفة كلها في: الطبري 20 / 105-110، الدر المنثور: 6 / 437-438. وهي أقوال كثيرة متضاربة ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والله أعلم أي ذلك كان.
(2) أخرجه مرسلا - كما قال المصنف: أبو نعيم في حلية الأولياء: 4 / 148، والخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل ص (218) بتحقيق الألباني، وابن أبي شيبة في المصنف: 13 / 223 ووصله الحاكم في المستدرك عن ابن عباس وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي: 4 / 306، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 224، وابن المبارك في الزهد ص (2) بسند صحيح من مرسل عمرو بن ميمون. انظر: فتح الباري: 11 / 235.
(3) ما بين القوسين ساقط من "أ".

الصفحة 221