كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 6)

{أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} مِنَ الْإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ.
{وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) }
{وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} صَدَقُوا فَثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْبَلَاءِ، {وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} بِتَرْكِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ. وَاخْتَلَفُوا فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَإِذَا أَصَابَهُمْ بَلَاءٌ مِنَ النَّاسِ أَوْ مُصِيبَةٌ فِي أَنْفُسِهِمِ افْتَتَنُوا (1) . وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ إِلَى بَدْرٍ (2) ، وَهُمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ" (النِّسَاءِ-97) . وَقَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ رَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ إِلَى مَكَّةَ (3) . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هَذِهِ الْآيَاتُ الْعَشْرُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَاهُنَا مدنية، وباقي السور مَكِّيَّةٌ (4) .
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا} قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا مِنْ قَوْلِ كُفَّارِ مَكَّةَ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ ومقاتل: قاله أو سُفْيَانَ لِمَنْ آمَنَ مِنْ قُرَيْشٍ، "اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا": دِينَنَا وَمِلَّةَ آبَائِنَا، وَنَحْنُ الْكُفَلَاءُ بِكُلِّ تَبِعَةٍ مِنَ اللَّهِ تُصِيبُكُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} أَوْزَارَكُمْ، قَالَ الْفَرَّاءُ: لَفْظُهُ أَمْرٌ، وَمَعْنَاهُ جَزَاءٌ (5) مَجَازُهُ: إِنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنَا حَمَلْنَا خطاياكم، كقوله: "فليقله الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ" (طه-39) . وَقِيلَ: هُوَ جَزْمٌ عَلَى الْأَمْرِ، كَأَنَّهُمْ أَمَرُوا أَنْفُسَهُمْ بِذَلِكَ، فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فِيمَا قَالُوا مِنْ حَمْلِ خَطَايَاهُمْ.
__________
(1) ذكره الواحدي في الأسباب ص (395) ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: (6 / 452) للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(2) انظر: الطبري: 20 / 123، أسباب النزول للواحدي ص (396) .
(3) انظر: الطبري: 20 / 133.
(4) معاني القرآن للنحاس: 5 / 214، ورواه الطبري أيضا عن قتادة في الموضع السابق، وراجع فيما سبق تعليق (1) في أول السورة ص (231) .
(5) قال في معاني القرآن (2 / 314) : هو أمر فيه تأويل الجزاء، وأنشد بيت دثار بن شيبان النمري: فقلت ادعي وأدع فإن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان
.

الصفحة 235