كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 7)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: هُمُ الْمُطْعِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، نَظِيرُهُا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" (الْأَنْفَالِ-36) الْآيَةَ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) }
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} قَالَ عَطَاءٌ: بِالشَّكِّ وَالنِّفَاقِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بِالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: بِالْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِخْلَاصِ ذَنْبٌ كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَخَافُوا الْكَبَائِرَ بَعْدَهُ أَنْ تُحْبِطَ الْأَعْمَالَ. (1)
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَا تَمُنُّوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ، نَزَلَتْ فِي بَنِي أَسَدٍ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} قِيلَ: هُمْ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ. وَحُكْمُهَا عَامٌّ.
{فَلَا تَهِنُوا} لَا تَضْعُفُوا {وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} أَيْ لَا تَدْعُوَا إِلَى الصُّلْحِ ابْتِدَاءً، مَنَعَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْعُوا الْكَفَّارَ إِلَى الصُّلْحِ، وَأَمَرَهُمْ بِحَرْبِهِمْ حَتَّى يُسْلِمُوا، {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} الْغَالِبُونَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: آخِرُ الْأَمْرِ لَكُمْ وَإِنْ غَلَبُوكُمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، {وَاللَّهُ مَعَكُمْ} بِالْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ، {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} لَنْ يَنْقُصَكُمْ شَيْئًا مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ، يُقَالُ: وَتِرَهُ يَتِرُهُ وَتَرًا وَتِرَةً: إِذَا نَقَصَ حَقَّهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلٌ، وَالضَّحَّاكُ: لَنْ يَظْلِمَكُمْ أَعْمَالَكُمُ الصَّالِحَةَ بَلْ يُؤْتِيكُمْ أُجُورَهَا. ثُمَّ حَضَّ عَلَى طَلَبِ الْآخِرَةِ فَقَالَ:
{إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} بَاطِلٌ وَغُرُورٌ، {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا} الْفَوَاحِشَ،
__________
(1) أخرجه محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة: 2 / 646، وإسناده ضعيف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 504-505 لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي العالية.
الصفحة 290