كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 8)

وَالْعَيْنُ لَا تُزَجَّجُ وَإِنَّمَا تُكَحَّلُ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَيُكْرَمُونَ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمِ طَيْرٍ وَحُورٍ عِينٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، أَيْ: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ رُفِعَ عَلَى مَعْنَى لَهُمْ حُورٌ عِينٌ، وَجَاءَ فِي تَفْسِيرِهِ: "حُورٌ عِينٌ" بِيضٌ ضِخَامُ الْعُيُونِ.
{كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) }
{كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} الْمَخْزُونِ فِي الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الْأَيْدِي. وَيُرْوَى: أَنَّهُ يَسْطَعُ نُورٌ فِي الْجَنَّةِ، قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالُوا: ضَوْءُ ثَغْرِ حَوْرَاءَ ضَحِكَتْ فِي وَجْهِ زَوْجِهَا.
وَيُرْوَى أَنَّ الْحَوْرَاءَ إِذَا مَشَتْ يُسْمَعُ تَقْدِيسُ الْخَلَاخِلِ مِنْ سَاقَيْهَا وَتَمْجِيدُ الْأَسْوِرَةِ مِنْ سَاعِدَيْهَا، وَإِنَّ عِقْدَ الْيَاقُوتِ لَيَضْحَكُ مِنْ نَحْرِهَا وَفِي رِجْلَيْهَا نَعْلَانِ مِنْ ذَهَبٍ شِرَاكُهُمَا مِنْ لُؤْلُؤٍ يُصِرَّانِ بِالتَّسْبِيحِ. {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغوًا ولا تَأْثِمًا إِلَّا قِيلًا} أَيْ قَوْلًا {سَلَامًا سَلَامًا} نَصَبَهُمَا اتِّبَاعًا لِقَوْلِهِ "قِيلًا" أَيْ يَسْمَعُونَ قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا. قَالَ عَطَاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسَّلَامِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَصْحَابَ الْيَمِينِ وَعَجَّبَ مِنْ شَأْنِهِمْ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} لَا شَوْكَ فِيهِ كَأَنَّهُ خُضِدَ شَوْكُهُ، أَيْ قُطِعَ وَنُزِعَ مِنْهُ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ (1) .
وَقَالَ الْحَسَنُ. لَا يَعْقِرُ الْأَيْدِيَ. قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هُوَ الَّذِي لَا أَذًى فِيهِ قَالَ: وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ فِي غُلُفٍ كَمَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْبَاقِلَّاءِ وَغَيْرِهِ بَلْ كُلُّهَا مَأْكُولٌ وَمَشْرُوبٌ وَمَشْمُومٌ وَمَنْظُورٌ إِلَيْهِ. قَالَ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ: هُوَ الْمُوَقَرُ حِمْلًا (2) .
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ثِمَارُهَا أَعْظَمُ مِنَ الْقِلَالِ. (3) .
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ: نَظَرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى وَجٍّ -وَهُوَ وَادٍ مُخْصِبٌ بِالطَّائِفِ -فَأَعْجَبَهُمْ سِدْرُهَا وَقَالُوا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ هَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ (4) .
__________
(1) انظر: الطبري: 27 / 179 - 180، وهو قول عطاء، انظر: جزء في تفسير عطاء ص (110) .
(2) انظر: الطبري: 27 / 180، القرطبي: 17 / 207.
(3) انظر: الطبري: 27 / 180، القرطبي: 17 / 207.
(4) ذكره القرطبي: 17 / 207.

الصفحة 11

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text