كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 8)
{إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) }
{سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) }
{إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} أَيْ جَعَلَ مُجَازَاةَ النِّعَمِ الَّتِي خُوِّلَهَا مِنَ الْبَنِينَ وَالْمَالِ الْكُفْرَ بِآيَاتِنَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَلَإِنْ كَانَ ذَا مَالِ وَبَنِينَ [تُطِيعُهُ] (1) .
وَمَنْ قَرَأَ عَلَى الْخَبَرِ فَمَعْنَاهُ: لَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ لِأَنَّ {كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} (2) أَيْ: لَا تُطِعْهُ لِمَالِهِ وَبَنِيهِ "إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ".
ثُمَّ أَوْعَدَهُ فَقَالَ: {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} وَ"الْخُرْطُومُ": الْأَنْفُ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ: أَيْ نُسَوِّدُ وَجْهَهُ، فَنَجْعَلُ لَهُ عَلَمًا فِي الْآخِرَةِ يُعْرَفُ بِهِ، وَهُوَ سَوَادُ الْوَجْهِ.
قَالَ الْفَرَّاءُ: خَصَّ الْخُرْطُومَ بِالسِّمَةِ فَإِنَّهُ فِي مَذْهَبِ الْوَجْهِ لِأَنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ يُعَبِّرُ بِهِ عَنْ كُلِّهِ (3) .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَنَخْطِمُهُ بِالسَّيْفِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ (4) وَقَالَ قَتَادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لَا يُفَارِقُهُ.
قَالَ الْقُتَيْبِيُّ تَقُولُ الْعَرَبُ لِلرَّجُلِ سَبَّ الرَّجُلَ سَبَّةً قَبِيحَةً: قَدْ وَسَمَهُ مَيْسَمَ سُوءٍ. يُرِيدُ: أَلْصَقَ بِهِ عَارًا لَا يُفَارِقُهُ، كَمَا أَنَّ السِّمَةَ لَا يَنْمَحِي وَلَا يَعْفُو أَثَرُهَا وَقَدْ أَلْحَقَ اللَّهُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ عُيُوبِهِ عَارًا لَا يُفَارِقُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَالْوَسْمِ عَلَى الْخُرْطُومِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالْكِسَائِيُّ: سَنَكْوِيهِ عَلَى وَجْهِهِ.
{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} يَعْنِي اخْتَبَرْنَا أَهْلَ مَكَّةَ بِالْقَحْطِ وَالْجُوعِ {كَمَا بَلَوْنَا} ابْتَلَيْنَا {أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ" قَالَ: كَانَ بُسْتَانٌ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ الضِّرْوَانُ دُونَ صَنْعَاءَ بِفَرْسَخَيْنِ، يَطَؤُهُ أَهْلُ الطَّرِيقِ، كَانَ غَرَسَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ لِرَجُلٍ فَمَاتَ فَوَرِثَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ لَهُ، وَكَانَ
__________
(1) في "ب" تطغيه.
(2) ما بين القوسين ساقط من "أ".
(3) معاني القرآن للفراء: 3 / 174.
(4) ذكره الطبري: 29 / 28.
الصفحة 194