كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 8)
الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا (1) .
{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) }
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} أَيْ: سَاعَاتِهِ كُلَّهَا وَكُلُّ سَاعَةٍ مِنْهُ نَاشِئَةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَنْشَأ أَيْ: تَبْدُو، وَمِنْهُ: نَشَأَتِ السَّحَابَةُ إِذَا بَدَتْ، فَكُلُّ مَا حَدَثَ بِاللَّيْلِ وَبَدَا فَقَدْ نَشَأَ فَهُوَ نَاشِئُ، وَالْجُمَعُ نَاشِئَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ عَنْهَا فَقَالَا اللَّيْلُ كُلُّهُ نَاشِئَةٌ (2) وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ زَيْدٍ: أَيْ: سَاعَةَ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَقَدْ نَشَأَ وَهُوَ بِلِسَانِ الْحَبَشِ [الْقِيَامُ يُقَالُ] (3) نَشَأَ فَلَانٌ أَيْ: قَامَ (4) .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: النَّاشِئَةُ الْقِيَامُ بَعْدَ النَّوْمِ.
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هِيَ الْقِيَامُ مِنْ آخَرِ اللَّيْلِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ الْقِيَامُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ.
رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ، وَيَقُولُ: هَذِهِ نَاشِئَةُ اللَّيْلِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كُلُّ صَلَاةٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَهِيَ نَاشِئَةٌ مِنَ اللَّيْلِ.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: "نَاشِئَةُ اللَّيْلِ" قِيَامُ اللَّيْلِ، مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى فَاعِلَةٍ كَالْعَافِيَةِ بِمَعْنَى الْعَفْوِ.
{هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ [وَأَبُو عَمْرٍو] (5) وِطَاءً بِكَسْرِ الْوَاوِ مَمْدُودًا بِمَعْنَى الْمُوَاطَأَةِ وَالْمُوَافَقَةِ، يُقَالُ: وَاطَأْتُ فُلَانًا مُوَاطَأَةً وَوَطْئًا، إِذَا وَافَقْتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مُوَاطَأَةَ الْقَلْبِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ بِاللَّيْلِ تَكُونُ أَكْثَرَ مِمَّا يَكُونُ بِالنَّهَارِ.
وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: [وَطْئًا] (6) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الطَّاءِ، أَيْ: أَشَدُّ عَلَى الْمُصَلِّي وَأَثْقَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ لِأَنَّ اللَّيْلَ لِلنَّوْمِ وَالرَّاحَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطَأَتَكَ عَلَى مُضَرَ" (7) .
__________
(1) أخرجه البخاري في بدء الوحي: 1 / 18، ومسلم في الفضائل، باب عرق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البرد وحين يأتيه الوحي برقم: (2333) 4 / 1816-1817، والمصنف في شرح السنة: 13 / 321-322.
(2) أخرجه الطبري: 29 / 128.
(3) ساقط من "أ".
(4) أخرجه الطبري: 29 / 128.
(5) ساقط من "أ".
(6) زيادة من "أ".
(7) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الدعوات، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة: 11 / 193-194، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة برقم: (675) 1 / 466-467. وساقه المصنف في شرح السنة: 5 / 152.
الصفحة 253