كتاب تفسير البغوي - طيبة (اسم الجزء: 8)

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أُعْطِيَ كُلُّ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ بَعِيرًا وَسِقَاةً فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ إِلَى أَذْرِعَاتَ وَأَرِيحَاءَ إِلَّا أَهْلَ بَيْتَيْنِ مِنْهُمْ آلَ أَبِي الْحَقِيقِ وَآلَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ فَإِنَّهُمْ لَحِقُوا بِخَيْبَرَ، وَلَحِقَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِالْحِيرَةِ (1) فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}
{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) }
{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ {مِنْ دِيَارِهِمْ} الَّتِي كَانَتْ بِيَثْرِبَ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ إِجْلَاءُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ مَرْجِعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُحُدٍ وَفَتْحَ قُرَيْظَةَ عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ وَبَيْنَهُمَا سَنَتَانِ. {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانُوا مِنْ سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهُمْ جَلَاءٌ فِيمَا مَضَى، وَكَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا (2) .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ شَكَّ أَنَّ الْمَحْشَرَ بِالشَّامِ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ فَكَانَ هَذَا أَوَّلُ حَشْرٍ إِلَى الشَّامِ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اخْرُجُوا قَالُوا إِلَى أَيْنَ قَالَ: إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ، ثَمَّ يُحْشَرُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الشَّامِ (3) .
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّمَا قَالَ: "لِأَوَّلِ الْحَشْرِ" لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَوَّلَ مَنْ أُجْلِيَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، ثُمَّ أَجْلَى آخِرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ: كَانَ أَوَّلُ الْحَشْرِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَالْحَشْرُ الثَّانِي مِنْ خَيْبَرَ وَجَمِيعِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ إِلَى أَذْرِعَاتَ وَأَرِيحَاءَ مِنَ الشَّامِ فِي أَيَّامِ عُمَرَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ هَذَا أَوَّلُ الْحَشْرِ، وَالْحَشْرُ الثَّانِي نَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ تَبِيتُ
__________
(1) أخرجه الطبري: 28 / 31 - 32. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 91 أيضا لابن مردويه والبيهقي في الدلائل.
(2) أخرجه الطبري: 28 / 28.
(3) انظر: ابن كثير في التفسير: 4 / 333، القرطبي: 18 / 2.

الصفحة 69