كتاب مقدمة ابن الصلاح = معرفة أنواع علوم الحديث - ت فحل

ومِنْ هَذَا القَبيلِ مَنْ عُرِفَ بقَبُولِ التَّلْقِيْنِ (¬1) في الحديثِ (¬2)، ولاَ تُقْبَلُ روايةُ مَنْ كَثُرَتِ الشَّواذُّ والمناكِيْرُ في حديثِهِ.
جَاءَ عَنْ شُعْبَةَ: أنَّهُ قالَ: ((لاَ يَجِيْئُكَ الحديثُ الشَّاذُّ إلاَّ مِنَ الرَّجُلِ الشَّاذِّ)) (¬3). ولاَ تُقْبَلُ روايةُ مَنْ عُرِفَ بكَثْرَةِ السَّهْوِ في رواياتِهِ إذا لَمْ يُحَدِّثْ مِنْ أصْلٍ صحيحٍ (¬4)، وكُلُّ هذا يَخْرِمُ الثقةَ بالراوي وبضبْطِهِ.
¬__________
(¬1) التلقين - كما عرّفه الحافظ العراقي -: هو أن يُلَقَّنَ الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه. شرح التبصرة والتذكرة 2/ 59.
وانظر عن التلقين وأسبابه وحكمه: النفح الشذي 1/ 323، وسير أعلام النبلاء 10/ 210، والنكت الوفية: 232 / ب، وفتح المغيث 1/ 385، وتدريب الراوي 1/ 339، وتوضيح الأفكار 2/ 257، وتوجيه النظر 2/ 573، وأثر علل الحديث: 120.
(¬2) وسبقه إلى نحو هذا الحكم أبو محمد بن حزم في الإحكام 1/ 142، فقال: ((ومن صح أنه قبل التلقين -ولو مرة- سقط حديثه كله؛ لأنه لم يتفقه في دين الله عزوجل ولا حفظ ما سمع)).
وكذا الحافظ ابن القطان الفاسي، فقد نقل الزركشي عنه 3/ 424 أنه قال: ((التلقين عيب يسقط الثقة لمن اتصف به، وقد كانوا يفعلون ذلك بالمحدّث تجربة لحفظه وضبطه وحذقه)).
وأسند الخطيب البغدادي في الكفاية: (234 - 235 ت، 149 هـ‍) عن أبي الأسود أنه قال: إذا سرّك أن تكذب صاحبك فلقنه)).
وعن سلمة بن علقمة أنه قال: ((إذا سرّك أن تكذب أخاك فلقنه)).
وقد نازعهم في إطلاق القول بردّ حديث المتلقن الحافظ العلاّمة ابن دقيق العيد في شرح الإلمام، فيما نقله الزركشي في نكته 3/ 424، فقال: ((مطلق التلقين والإجابة ليس دليلاً على اختلاف حال الراوي، فقد يلقنه الناقل ما لا علم له به، فيجيبه بالصواب عنده، وربما يتحققه. وليس تقدم تلقينه بالدليل على مجازفته في جوابه. نعم ... التلقين الباطل إذا عرف بطلانه، فأجاب الملقّن بما عرف بطلانه كان دليلاً على مجازفته لا على تعمده الكذب، فالكذب منه يقيناً يتوقف على أن يثبت أنه لُقِّن الباطل الذي عرف بطلانه فأجاب به، وأما الإجابة بما يلقن به من غير تحقيق إفادة، فإنما يجعله قدحاً بطريق التهمة أو بقرينة شهرت بالمجازفة وعدم التثبت)).
(¬3) أسنده ابن عدي في الكامل 1/ 151، والخطيب في الكفاية: (224 ت، 141 هـ‍).
(¬4) وضّح الزركشي في نكته 3/ 425 - 426 هنا أمرين: =

الصفحة 239