كتاب مقدمة ابن الصلاح = معرفة أنواع علوم الحديث - ت فحل

السَّابِعُ: يَصِحُّ السَّماعُ مِمَّنْ هُوَ وراءَ حِجَابٍ (¬1)، إذا عُرِفَ صَوْتُهُ فيما إذا حَدَّثَ بلفْظِهِ، أو إذا عُرِفَ حُضُورُهُ بِمَسْمَعٍ مِنْهُ فيما إذا قُرِئَ عليهِ. ويَنْبَغِي أنْ يَجوزَ الاعْتِمادُ في مَعْرِفَةِ صَوْتِهِ وحضُورِهِ علَى خَبَرِ مَنْ يُوثَقُ بهِ. وقَد (¬2) كانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ عائِشَةَ وغَيرِها مِنْ أزْوَاجِ رسُولِ اللهِ (¬3) - صلى الله عليه وسلم - مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، ويَرْوونَهُ عَنْهُنَّ اعتِمَاداً عَلَى الصَّوْتِ. واحْتَجَّ عبدُ الغَنيِّ بنُ سَعِيدٍ الحافِظُ في ذلكَ بقولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ بلاَلاً يُنَادي بِلَيْلٍ فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يُناديَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ)) (¬4)، ورَوَى بإسْنَادِهِ عَنْ شُعْبَةَ أنَّهُ قَالَ: إذا حَدَّثَكَ المحدِّثُ فَلَمْ تَرَ وَجْهَهُ فَلاَ تَرْوِ عنهُ، فَلَعَلَّهُ شَيْطَانٌ قَدْ تَصَوَّرَ في صُورَتِهِ، يَقُولُ: ((حَدَّثَنا وأخْبَرَنا)) (¬5). واللهُ أعلمُ.
الثَّامِنُ: مَنْ سَمِعَ مِنْ شَيْخٍ حديثاً ثُمَّ قالَ لهُ: لاَ تَرْوِهِ (¬6) عَنِّي، أو: لاَ آذَنُ لَكَ في روايتِهِ عَنِّي، أو قالَ: لسْتُ أُخْبِرُكَ (¬7) بهِ، أو رَجَعْتُ عَنْ إخْبَارِي إيَّاكَ بهِ، فلاَ تَرْوِهِ
¬__________
(¬1) انظر: نكت الزركشي 3/ 499.
(¬2) سقطت من (ع)، وهي ثابتة في جميع النسخ و (م).
(¬3) في (أ): ((النبي)).
(¬4) أخرجه البخاري 1/ 160 و161 و 3/ 37 و225 و 9/ 107، ومسلم 2/ 3 و 3/ 129.
وأخرجه مالك (194)، والشافعي 2/ 275، والطيالسي (1819)، وعبد الرزاق (1885)، والحميدي (611)، وابن أبي شيبة 3/ 9، وأحمد 2/ 9 و 123، وعبد بن حميد (734)، والدارمي (1192)، والترمذي (203)، والنسائي 2/ 10، وأبو يعلى (5432)، وابن خزيمة (401)، والطحاوي في شرح المعاني 1/ 137، وابن حبان (3469)، والطبراني في الكبير (13106) والبيهقي 1/ 380، والبغوي (434).
(¬5) أسنده الرامهرمزي في المحدّث الفاصل: 599، وابن عدي في مقدمة الكامل 1/ 117. قال ابن كثير في "اختصار علوم الحديث": 118: ((هذا عجيب وغريب جداً)). وقال الزركشي في نكته 3/ 499: ((إن فيه نظراً؛ لأن الشيطان إذا جاز أن يتصور بصورة الإنسان فسواء وَرَاء حجاب أو مُشَافَهَة)).
(¬6) قال الزركشي في نكته 3/ 500: ((هذا ذكره الأئمة، منهم: ابن خلاّد في كتاب الفاصل وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: لا يقتضي النظر سواه؛ لأن منعه ألاَّ يحدِّث بما حدّثه به لا لعلة ولا لريبة في الحديث لا تؤثر؛ لأنه قد حدّثه فهو شيء لا يرجع فيه - قال -: ولا أعلم من قال بخلاف هذا، إلاَّ أن صاحب طبقات علماء إفريقية روى عن شيخ من جلة شيوخها، أنه أشهد بالرجوع عمَّا حدّثه لبعض أصحابه لأمر نقمه عليه، وكذلك فعل الفقيه المحدّث أبو بكر بن عطية؛ فإنه أشهد بالرجوع عمَّا حدّث به بعض أصحابه لهوى ظهره له منه. ولعل هذا صدر منهم تأديباً لا لأنهم اعتقدوا صحة تأثيره، وقياس من قاس الإذن في الحديث وعدمه على الإذن في الشهادة وعدمها غير صحيح؛ لأن الشهادة على الشهادة لا تصح إلا مع الإشهاد، والإذن في الحديث لا يحتاج معه إلى ذلك باتفاق)).
(¬7) في (أ): ((أجيزك)).

الصفحة 264