كتاب مقدمة ابن الصلاح = معرفة أنواع علوم الحديث - ت فحل
القِسْمُ السَّابِعُ مِنْ أقسَامِ الأَخْذِ والتَّحَمُّلِ: الوَصِيَّةُ بالكُتُبِ، بَأنْ (¬1) يُوصِيَ الراوي بِكِتابٍ يَرْوِيهِ عندَ موتِهِ أوْ سَفَرِهِ لِشَخْصٍ، فرُويَ عَنْ بعضِ السَّلَفِ (¬2) - رضي الله عنهم - أنَّهُ جَوَّزَ بذلكَ روايةَ الْمُوصَى لهُ لذلكَ عَنِ الموصِي الراوي. وهذا بَعِيدٌ جِدّاً (¬3)، وهوَ إمَّا زَلَّةُ عالِمٍ أو مُتَأَوَّلٌ على أنَّهُ أرادَ الروايةَ عَلَى سَبيلِ الوِجَادةِ التي يَأتِي شَرْحُها - إنْ
شَاءَ اللهُ تَعَالَى -.
وقَدِ احْتَجَّ بعضُهُمْ لذلكَ فَشَبَّهَهُ بِقِسْمِ الإعْلاَمِ وقِسْمِ المناوَلَةِ، ولاَ يَصِحُّ ذلكَ فَإِنَّ لِقَوْلِ مَنْ جَوَّزَ الروايةَ بِمُجَرَّدِ الإعْلاَمِ والمنَاولَةِ مُسْتَنَداً ذَكَرْنَاهُ لاَ يَتَقَرَّرُ مِثْلُهُ ولاَ قريبٌ (¬4) منهُ هَاهُنا، واللهُ أعلمُ.
القِسْمُ الثَّامِنُ: الوِجَادَةُ (¬5): وهي مَصْدَرٌ لـ ((وَجَدَ يَجِدُ)) مُوَلَّدٌ غيرُ مَسْمُوعٍ مِنَ العَرَبِ (¬6). رُوِّيْنا عَنِ الْمُعَافَى بنِ زَكَرِيَّا النَّهْرَوَانِيِّ (¬7) العَلاَّمَةِ في العُلُومِ أنَّ الموَلَّدِينَ فَرَّعُوا قَوْلَهُمْ: ((وِجَادَةً)) فِيْمَا أُخِذَ مِنَ العِلْمِ مِنْ صَحِيْفَةٍ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ ولاَ إجَازَةٍ وَلاَ مُنَاولةٍ، مِنْ تفريقِ العرَبِ بينَ مَصَادِرِ ((وجَدَ))، للتَّمْيِيزِ بينَ المعانيَ المختَلِفةِ، يَعْنِي قَولَهُمْ:
¬__________
(¬1) في (م): ((أن)) بدون باء.
(¬2) منهم: ابن سيرين وأبو قلابة. ينظر: المحدّث الفاصل: 459 - 460، والكفاية: (503 - 504 ت، 352 هـ)، والإلماع: 115 - 116، ونكت الزَّرْكَشِيّ 3/ 551.
(¬3) وَقَدْ قَلَّدَ النوويُّ ابنَ الصلاحِ في هَذَا فَقَالَ: في التقريب: 120: ((إنه لا يجوز))، وَقَدْ أنكر ابن أبي الدم عَلَى ابن الصَّلاح ردَّه عَلَى هَذَا فَقَالَ: ((الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خِلاَف، فإذا عمل بالوجادة فالوصية أولى)). ينظر: نكت الزركشي 3/ 550 - 551، وتدريب الراوي 2/ 60، وفتح المغيث 2/ 133.
(¬4) في الشذا: ((يتقرب)).
(¬5) بكسر الواو. شرح التبصرة والتذكرة 2/ 189، والتاج 9/ 260.
(¬6) قال: ابن كثير: ((الوجادة ليست من باب الرواية، وإنما هي حكاية عما وجده في الكتاب. وقال الشيخ أحمد شاكر: ((وإنما ذكر العلماء الوجادة في هذا الباب إلحاقاً به لبيان حكمها وما يتخذه الناقل في سبيلها)). اختصار علوم الحديث: 128، والباعث الحثيث: 130.
(¬7) بفتح النون وسكون الهاء وفتح الراء المهملة والواو، وفي آخرها نون أخرى. الأنساب 5/ 446،
وانظر: التاج 14/ 319. وترجمته في تاريخ بغداد 13/ 230، ومعجم الأدباء 19/ 151، والسيِّر 16/ 544.
الصفحة 288