كتاب مقدمة ابن الصلاح = معرفة أنواع علوم الحديث - ت فحل

وليكنِ الإتقانُ منْ شأنهِ، فقدْ قالَ عبدُ الرحمانِ بنِ مَهْدِيٍّ: ((الحِفْظُ: الإتقانُ)) (¬1).
ثُمَّ إنَ المُذاكرةَ بما يتحفَّظُهُ منْ أقوى أسبابِ الإمتاعِ بهِ. رُوِّينا عنْ عَلْقمةَ النَّخَعيِّ قالَ: ((تَذَاكَروا الحديثَ، فإنَّ حياتَهُ ذِكرُهُ)) (¬2)، وعن إبراهيمَ النَّخَعيِّ قالَ: ((مَنْ سَرَّهُ أن يَحْفَظَ الحديثَ فليُحدِّثْ بهِ، وَلَوْ أنْ يُحَدِّثَ بهِ مَنْ لايَشْتهيهِ)) (¬3).
وليَشْتَغِلْ بالتخريجِ والتأليفِ والتَّصنيفِ إذا استعدَّ لِذَلِكَ وتأهَّلَ لهُ، فإنهُ كما قالَ الخطيبُ الحافظُ: يُثَبِّتُ الحِفْظَ، ويُذَكِّي القلبَ، ويشْحَذُ الطَّبعَ، ويجيدُ البيانَ، ويكشِفُ المُلْتَبِسَ، ويُكسِبُ (¬4) جميلَ الذكرِ، ويخلِّدُهُ إلى آخرِ الدهرِ (¬5)، وقَلَّما يَمْهَرُ في عِلْمِ الحديثِ وَيَقِفُ عَلَى غوامِضِهِ ويَسْتَبينُ الخَفِيَّ مِنْ فوائِدهِ إلاَّ مَنْ فَعَلَ ذلكَ. وَحَدَّثَ الصُّوريُّ (¬6) الحافِظُ مُحَمَّدُ بنُ عليٍّ قالَ: رأيتُ أبا مُحَمَّدٍ عبدَ الغنيِّ بنَ سعيدٍ الحافظَ في المنامِ، فقالَ: يا أبا عبدِ اللهِ! خَرِّجْ وصَنِّفْ قَبْلَ أنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ. هذا أنا تَرانِي قَدْ حِيْلَ بَيْنِي وبينَ ذَلِكَ (¬7).
ولِلْعلماءِ بالحديثِ في تَصْنيفِهِ طَرِيقتانِ:
إحْداهُما: التَّصْنيفُ عَلَى الأبوابِ، وهو تَخريجُهُ عَلَى أحكامِ الفقهِ وغيرِها، وتَنْوِيْعُهُ أنواعاً، وجمعُ ما وَرَدَ في كُلِّ حُكْمٍ وكُلِّ نوعٍ في بابٍ فبابٍ.
¬__________
(¬1) أخرجه الخطيب في الجامع (1037).
(¬2) أخرجه الرامهرمزي في الْمُحَدِّث الفاصل: 546، وابن عبد البر في بيان جامع العلم 1/ 101، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (1821).
(¬3) أخرجه الخطيب في الجامع (1822)، وابن عبد البر 1/ 101 من جامع بيان العلم.
(¬4) في (أ): ((يكتب)).
(¬5) الجامع لأخلاق الراوي 2/ 280.
(¬6) توفي سنة (441 هـ‍). انظر: تاريخ بغداد 3/ 103، والأنساب 3/ 570، والسير 17/ 127.
(¬7) أخرجه الخطيب في الجامع (1861).

الصفحة 360