كتاب جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

وقد ذكر عقوبات الأمم من آدم إلى آخر وقت، وفي كلِّ ذلك يقول: إنهم ظلموا أنفسهم فهم الظالمون لا المظلومون، وأول من اعترف بذلك أبواهم، قالا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)) (¬١)، وقال لإبليس: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)) (¬٢)، وإبليس إنما تبعه الغواة منهم، كما قال: (بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (¬٣)، وقال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (¬٤). والغيّ: اتباع هوى النفس.
وما زال السلف معترفين بذلك كقول أبي بكر وعمر وابن مسعود (¬٥): أقول فيها برأي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه.
وفي الحديثِ الإلهي حديثِ أبي ذر (¬٦) الذي يرويه الرسول عن ربّه عزّ وجلّ: "يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".
وفي الحديث الصحيح (¬٧) حديث سيد الاستغفار [أن] يقول العبدُ:
---------------
(¬١) سورة الأعراف: ٢٣.
(¬٢) سورة ص: ٨٥.
(¬٣) سورة الحجر: ٣٩ - ٤٠.
(¬٤) سورة الحجر: ٤٢.
(¬٥) انظر "جامع بيان العلم" (٢/ ٨٣٠، ٨٥٢، ٩١١) و"الإحكام" لابن حزم (٦/ ٥٠) و"تلخيص الحبير" (٤/ ١٩٥).
(¬٦) أخرجه مسلم (٢٥٧٧). ولشيخ الإسلام شرح عليه، انظرا "مجموع الفتاوى" (١٨/ ١٣٦ - ٢٠٩).
(¬٧) أخرجه البخاري (٦٣٠٦، ٦٣٢٣) عن شدّاد بن أوس.

الصفحة 258