كتاب جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

وفي الحديث: "مثل القلب مثل ريشةٍ مُلْقَاةٍ بأرض فلاةٍ" (¬١). وفي حديث آخر: "لَلقلبُ أشدُّ تقلُّبًا من القِدرِ إذا استجمعتْ غَلَيانًا" (¬٢). ومعلوم سرعة حركة الريشة والقدر مع الجهل. ولهذا يقال لمن أطاع من يُغويه: إنه استخفَّه. قال عن فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) (¬٣). وقال تعالى (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)) (¬٤)، فإن الخفيف لا يثبت بل يَطِيشُ، صاحب اليقين ثابت. يقال: أيقنَ، إذا كان مستقرًا، واليقين: استقرار الإيمان في القلب علمًا وعملًا، فقد يكون علم العبد جيّدًا، لكن نفسه لا تصبر عند المصائب بل تطيش. قال الحسن البصري: إذا شئت أن ترى بصيرًا لا صبرَ له رأيتَه، وإذا شئتَ أن ترى صابرًا لا بصيرةَ له رأيتَه، فإذا رأيتَ بصيرًا صابرًا فذاك. قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)) (¬٥).
ولهذا تُشبَّه النفس بالنار في سرعة حركتها وإفسادِها، وغضبُها وشهوتُها من النار، والشيطان من النار. وفي السنن (¬٦) عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، وإنما تُطفَأ النّارُ بالماء، فإذا غَضِبَ أحدُكم فليتوضأ". وفي الحديث الآخر (¬٧):
---------------
(¬١) أخرجه أحمد (٤/ ٤١٩) وابن ماجه (٨٨) من حديث أبي موسى الأشعري.
(¬٢) أخرجه أحمد (٦/ ٤) عن المقداد بن الأسود.
(¬٣) سورة الزخرف: ٥٤.
(¬٤) سورة الروم: ٦٠.
(¬٥) سورة السجدة: ٢٤.
(¬٦) أخرجه أبو داود (٤٧٨٤) وأحمد (٤/ ٢٢٦) عن محمد بن عطية السعدي عن أبيه مرفوعًا. وضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (ص ٤٧٥).
(¬٧) أخرجه أحمد (٣/ ١٩، ٦١) والترمذي (٢١٩١) عن أبي سعيد الخدري.=

الصفحة 260