كتاب جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 4)

وأما الصدقة عن الميت فإنها تنفعه، كما ثبت ذلك بنص سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واتفاق أئمة المسلمين، ففي الصحيح (¬١) أنه قال سعد: يا رسول الله! إنّ أمي افْتُلِتَتْ نفسُها، وأراها لو تكلمتْ لتصدقتْ، فهل ينفعها إن أتصدق عنها؟ قال: "نعم"، وأما إخراجُ الصدقة مع الجنازةِ فبدعة مكروهةٌ، وهو يشبه الذبح عند القبر، وهذا مما نَهى عنه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كما في السنن (¬٢) عنه أنه نهى عن العَقْر عند القبر. وتفسيرُ ذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا مات فيهم كبيرٌ عَقَروا عند قبره ناقة أو بقرة أو شاة أو نحو ذلك، فنهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، حتى نص بعضُ الأئمة على كراهةِ الأكل منها، لأنه يُشبهُ الذبحَ لغير الله. قال بعض العلماء: وفي معنى ذلك ما يفعلُه بعضُ الناس من إخراجِ الصدقات مع الجنازة من غنم أو خبز أو غير ذلك، وهذا فيه عدةُ مفاسدَ:
منها: أن مُشَيعي الجنازة تَشتغِلُ قلوبُهم بذلك.
الثاني: أنه يتبعُ الميتَ من ليس له غرض إلاّ في أخذِ ذلك.
الثالث: أنهم يختصمون عليها.
الرابع: أنه يأخذها الغالبُ غيرَ مستحق ويُحرَمُ المستحق.
---------------
(¬١) البخاري (١٣٨٨، ٢٧٦٠) ومسلم (١٠٠٤) عن عائشة.
(¬٢) أخرج أبو داود (٣٢٢٢) والنسائي (٤/ ١٦) وأحمد (٣/ ١٩٧) عن أنصر مرفوعًا: "لا عَقرَ في الإسلام"، قال عبد الرزاق: كانوا يَعقِرون عند القبر، يعني ببقرةِ أو بشيء.

الصفحة 151