كتاب جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 4)
انقطع عملُه إلاّ من ثلاثٍ: صدقة جارية، أو علم يُنتفَع به، أو ولد صالح يدعو له". فهنا خصّ الولد بالذكر لأنه استثناه من عمل الميت، وولُده من كَسْبِه، كما قال تعالى: (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)) (¬١) وإن ولده من كَسْبه. وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للرجل الذي قال له: إن أبي أراد أن يجتاحَ مالي، فقال: "أنت ومالك لأبيك" (¬٢). وقد قال تعالى: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩)) (¬٣)، فَجعل الولد موهوباً للوالد، فجعل بيت الولد بيت الرجل في قوله تعالى: (وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ) (¬٤) ولم يذكر بيوت الأولاد، لأن بيت ولدك بيتك، وهذا الحكم مختص بالأب فإنه المولود له، كما قال تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (¬٥).
فلما كان الولد من كسب الوالد استثناه من عملِه المنقطع، كما استثنى ما ينفق من الصدقة والعلم النافع، وهذا مما احتج به من يقول: إن مال الابن للوالد بمنزلة المباح، فيُهْلِكُ منه ما لا يضرُّ بولده. وهذا الحديث لا يدل على أن غير الولد لا ينفع دعاؤه
---------------
(¬١) سورة المسد: ٢.
(¬٢) أخرجه، ماجه (٢٢٩١) عن جابر بن عبد الله، وفي الباب عن جماعة من الصحابة خرَّج أحاديثهم وتكلَّم عليها الألباني في "إرواء الغليل" (٨٣٨) وصحَّحها.
(¬٣) سورة الشورى: ٤٩.
(¬٤) سورة النور: ٦١.
(¬٥) سورة البقرة: ٢٣٣.