كتاب جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
ولهذا لمّا طافَ ابنُ عباس ومعاويةُ بالبيت فكان ابن عباس لا يَستلم إلاّ الركنينِ اليمانيين، واستلم معاويةُ الأركانَ الأربعةَ، فقال ابن عباس: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يستلم إلاّ الركنين اليمانيين، فقال معاوية: ليس من البيتِ شيء مهجور، فقال له ابن عباس: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (¬١)، فسَكتَ معاويةُ ووافقَ ابنَ عباس (¬٢).
فمعاويةُ احتجَّ بأنّ البيت كلَّه معظَّم لا يُهجَر منه شيء، فأجابَه ابن عباسٍ بأن العباداتِ يجبُ فيها اتباعُ ما شَرَعَه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأمّتِه، ليس لأحدٍ أن يَشرعَ برأيه عبادةً لما يراه في ذلك من تعظيم الشعائر.
فوافقَه معَاويةُ، وعَلِمَ أنَ الصوابَ مع ابن عباسٍ.
وكذلك ما ثبت في الصحيحين (¬٣) أن عمر بن الخطاب لمّا قَبَّلَ الحجرَ الأسودَ قال: والله إني أعلَمُ أنكَ حجرٌ لا تَضرُّ ولا تَنفَعُ، ولولا أني رأيتُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقبِّلُك لَمَا قَبَّلْتك.
بيَّن عمر -رضي [الله] عنه- أنّ العباداتِ مبناها على متابعة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إذْ كان دينُ الإسلام مبنيًّا على أصلينِ:
أحدهما: أن لا يعبُد إلا الله، لا يُشرِك به شيئًا.
---------------
(¬١) سورة الأحزاب: ٢١.
(¬٢) أخرجه بنحوه أحمد (١/ ٢١٧) من طريق مجاهد عن ابن عباس. وللحديث طرق أخرى ذكرها الحافظ في الفتح (٣/ ٤٧٣، ٤٧٤). وأصله عند البخاري (١٦٠٨)، والجزء المرفوع منه فقط عند مسلم (١٢٦٩).
(¬٣) البخاري (١٥٩٧، ١٦٠٥، ١٦١٠) ومسلم (١٢٧٠).