كتاب جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

والمستقيم ضدّ المعوجّ المنحرف، كما قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (¬١): "ما من قلب من قلوب العباد إلاّ وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يُقيمَه أقامَه، وإن شاءَ أن يُزيغَه أزاغَه". (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) (¬٢)، وقال: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (¬٣).
ومنه تقويم السَّهم والصفّ، وهو تعديله، وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "أقيموا صفوفكم، فإنّ تسويةَ الصفّ من تمامِ الصلاة" (¬٤). وكان يُقوِّمُ الصَّفَّ كما يُقوَّم القِدْحُ (¬٥).
ومنه الصراط المستقيم والاستقامة، وهذا من هذا، كما قال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (¬٦) من طريقة أهل التوراة.
وما يَهدِي إليه القرآن أقومُ مما يهدي إليه الكتاب الذي [قبلَه]، وإن كان ذلك يَهدي إلى الصراطِ المستقيمِ، لكن القرآن يَهدي للتي هي أقوم. ولهذا ذكر هذا بعد قوله: (وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) (¬٧)، ثم قال: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ).
---------------
(¬١) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٢) وابن ماجه (١٩٩) عن النواس بن سمعان.، وله شاهد من حديث أم سلمة أخرجه الترمذي (٣٥٢٢) وقال: حديث حسن.
(¬٢) سورة آل عمران: ٨.
(¬٣) سورة الصف: ٥.
(¬٤) أخرجه البخاري (٧٢٣) ومسلم (٤٣٣) عن أنس بن مالك.
(¬٥) كما في حديث النعمان بن بشير الذي أخرجه مسلم (٤٣٦).
(¬٦) سورة الإسراء: ٩.
(¬٧) سورة الإسراء: ٢.

الصفحة 162