كتاب جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 7)

والرسُل صلوات الله عليهم وسلامه إذا بلّغوا الناسَ رسالات ربهم، فإنه بما جعل الله (¬١) في الناس من العقول، وبما أُتوا به من الآيات يُعرف صدق الرسل ويحصل الإيمان بهم (¬٢)، وبمجرّد العقل قد يعرف الإنسان أن له خالقًا، ويعرف بعضَ صفاته، وأما التفاصيل التي جاءت بها الرسل فلا تُعرف إلا من جهتهم، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: ٥٢]، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: ٥٠].
ومحمد صلوات الله عليه وسلامه كان أكمل الناس عقلًا، وكان مُقرًّا بربه عزّ وجل قبل النبوّة، ومع هذا فقد قال: {وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: ٥٠]، وقال الله تعالى له: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: ٥٢] وهو الإيمان بالغيب الذي جاء به جبريل عليه السلام، الذي لم يكن يعرفه قبل هذا.

وتعريف الرسل على وجهين: تارة تُنبّه القلوب وترشدها وتذكّرها بما فيها، فيعلم الإنسان بعقله ونظره واستدلاله الذي دلَّه عليه الرسول وأرشده إليه ما أخبره به الرسول، ولا يكون في هذا مقلِّدًا للمخبر ولا
---------------
(¬١) هنا إشارة إلى لحق في الهامش، لكن لم يظهر إلا بعض كلمة.
(¬٢) الأصل: "به".

الصفحة 370