كتاب جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 9)
غِناه, قال الله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى} [العلق: ٦ - ٧] , فإذا رآه استغنى طغى, وهو لا يستغني في الحقيقة قطُّ, لكن يرى نفسَه مستغنيةً رؤيةً كاذبة.
قال: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: ٥ - ١٠] , واستغناؤه هنا كقوله: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} [عبس: ٥ - ٦] , فالمستغني: الذي لم ير نفسه محتاجًا، فيخضعَ خضوعَ المحتاج، ويقصدَ قصدَ المحتاج.
قال سهل بن عبد الله: "ليس بين العبد وبين الله طريقٌ أقرب إليه من الافتقار, ولا حجابٌ أغلظ من الدعوى" (¬١).
وأصل كلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرة الخوفُ من الله.
وهذا الافتقار هو من العبودية التي قال فيها: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: ٤٢] , وإلا فجميع المخلوقات هي في نفس الأمر مفتقرةٌ إلى الله تعالى, وهم عبادٌ مُعَبَّدون (¬٢) له, يصرِّفهم بمشيئته وقهره, ولكنهم لا يشهدون هذا ولا يشهدون (¬٣) من أنفسهم الخضوع والعبودية والذل, بل
---------------
(¬١) أخرجه الخطيب البغدادي في "الزهد" (١٠١ - منتخبه) , ومن طريقه النووي في "بستان العارفين" (٥٢).
(¬٢) الأصل: "يعبدون", خطأ. وانظر: "مجموع الفتاوى" (١/ ٤٤, ٢/ ٤٠٦, ٤/ ١٢٨, ١٠/ ٥٠٣).
(¬٣) رسمها الناسخ هكذا:.وفوقها علامة كالضبة. ولعل الأشبه ما أثبت.